لا التعويم ولا التعقيم.. شآبيب الرحمة على الدينار

أحمد أبولسين |
أحمد أبولسين

سعر الصرف
يعبر سعر الصرف عن ثمن عملة ما معبرًا عنها بوحدات من عملة أخرى، ‏ويتوقف هذا الثمن ‏شأنه في ذلك شأن أثمان السلع المادية الأخرى على العوامل المتصلة بسوق الصرف، أي عرض الصرف الأجنبي والطلب عليه، والطلب على الصرف الأجنبي في الحقيقة طلب مشتق مصدره الأساسي المستوردين الذين يطلبون العملة الأجنبية لاستيراد السلع، أما العرض فيأتي من المصدرين الذين يحصلون على العملة الأجنبية مقابل تصدير السلع.

كما قد يكون مصدرهما أيضا تدخل المصارف والسلطات النقدية التي تقوم بشراء وبيع عملات أجنبية بهدف تحقيق توازن في أسعار الصرف أو ما إلى ذلك، وأيضا المضاربون الذين يتعاملون بالصرف الأجنبي (بيع أو شراء) للاستفادة من فروقات الأسعار.

وتتخذ العلاقة بين سعر الصرف والطلب عليه في حال عدم مرونة التوقعات الطابع العكسي، في حين تأخذ العلاقة بين عرض الصرف وسعر الصرف تحت نفس الافتراض الطابع الطردي.

نظم الصرف
‏تنقسم نظم الصرف من الناحية النظرية إلى نظم صرف ثابتة، ويندرج تحتها سعر الصرف الثابت بصفة دائمة وأسعار الصرف ذات الأساس القابل للتعديل، أي التي يتم تعديلها بصفة دورية وأسعار الصرف التي يتم الحفاظ عليها عن طريق تحديد حصص من النقد الأجنبي والتي تسمى نظم الرقابة على الصرف، وأسعار الصرف الثابتة مع قدر ملموس من التذبذب، ونظم صرف مرنة (أو معومة) ويندرج تحتها، أسعار الصرف المعومة تعويما تاما أي التي لا تتدخل السلطات النقدية في تحديدها (تعويم نقي)، وأسعار الصرف المختلطة (تعويم غير نقي)، وأسعار الصرف متدرجة التغير.

ينصرف مفهوم التعويم بصورة عامة إلى عملية إلغاء جملة من الإجراءات التي تتحكم في عمليات استبدال العملات ببعضها، كالحرية في التقلب وعدم الارتباط بعملة قابلة للتحويل- أي العملات التي تستخدم لسداد المدفوعات والعمليات الدولية الجارية ولا تخضع بشكل كبير لقيود الصرف المختلفة- يتحدد سعر صرف العملة أو معدل صرف العملة وفقاً لقانون العرض والطلب على العملة في سوق الصرف، والعامل النفسي الذي يتوقف بدوره على نظرة المتعاملين وحالتهم النفسية وتخميناتهم حول وضعية العملة والظروف السائدة في سوق الصرف (متشائمة أو متفائلة).

وينقسم التعويم بصورة عامة إلى:
تعويم نقي: ويقصد به التعويم الذي يتم دون تدخل السلطات النقدية ممثلة في المصرف المركزي مطلقاً في أسواق الصرف لدعم سعر صرف العملة الوطنية عند مستوى معين‏.
تعويم غير نقي: ويتحقق عندما يتدخل المصرف المركزي لمنع تقلبات سعر الصرف عند حدود معينة.
تعويم مستقل: يكون التعويم مستقلاً عندما لا يرتبط سعر صرف عملة في ارتفاعه وانخفاضه بأسعار صرف عملة بأسعار صرف عملة أو عملات أخرى.‏
تعويم مشترك: (المتناسق): يكون التعويم مشتركاً إذا ما ارتبط ارتفاع أو انخفاض سعر صرف دولة ما بأسعار صرف مجموعة من عملات دول أخرى.

لكل نظام من أنظمة سعر الصرف جملة من المزايا والعيوب، فمن أهم مزايا نظم الصرف الثابتة ‏سواء النظم التي تتمثل في ارتباط العملة بمعدن أو التي ترتبط بعملة قابلة للتحويل أو بسلة من العملات ما يلي:
- أن التقلبات البسيطة تساعد على نمو حجم التجارة الدولية.
- تساعد الدول على تنظيم والتحكم في السياسات الداخلية.
- بالنسبة لنظام الصرف الثابت والمستند إلى عملة ارتكازية فإن أداء هذا الأسلوب من الصرف يتوقف على درجة الثقة الممنوحة لهذه العملة.

‏أما أهم عيوبها فتتلخص في:
- أن السياسة النقدية للدولة في إطار هذه النظم لا تتمتع بحرية كبيرة (يفرض هذا النظام تبعية نقدية).
- يقوم هذا النظام استناداً على حجم وكمية الاحتياطات (عملات ذهب).
- تعتمد آلية تعديل ميزان المدفوعات في إطار هذه النظم على السياسات الانكماشية والتضخمية التي تؤدي في الغالب إلى نتائج غير مرغوبة. 

‏أما مزايا نظم الصرف المرنة (المعومة) فتتمثل في:
‏- أن السياسات النقدية والضريبية تكون مرنة.
‏- المصارف المركزية ليست بحاجة للاحتفاظ بالاحتياطات لمواجهة تقلبات سعر الصرف.

أما الآثار السلبياته فتكمن في:
‏- تؤثر التقلبات الكبيرة في أسعار الصرف سلباً على التجارة الدولية.
‏- يمكن أن تفرز أسعار الصرف المرنة آثارا تضخمية تؤدي إلى عرقلة السياسات النقدية للدولة.
- ترتبط تقلبات أسعار الصرف المرنة في المدى القصير بحركات رؤوس الأموال وتكون كبيرة جداً.
- تسهم نظم الصرف المرنة في عدم استقرار قيمة احتياطيات الصرف وما يترتب عنها من خسائر بالنسبة للمديونية الخارجية وهو ما من شأنه إعاقة عميلة التنمية.‏

بصورة عامة يمكن تقسيم أنظمة الصرف إلى قسمين، يضم الأول نظم الصرف الثابتة ويندرج ضمنها النظم ذات الارتباط بعملة واحدة (عملة محورية أو ارتكازية)، ونظم الصرف المرتبطة بسلة عملات، أما القسم الثاني فيضم نظم الصرف المرنة وعلى أساس هذه المرونة يتم تقسيمها إلى نظم الصرف محدودة المرونة (مرونة نسبية)، بالنسبة لعملة محورية أو لسلة عملات ونظم الصرف ذات المرونة غير المحدودة والتي تشتمل على التعويم المدار والتعويم المستقل:

سياسات تعديل أسعار الصرف
يمكن للبلدان التي تواجه عجزاً في موازين المدفوعات وتتبع نظام سعر الصرف الثابت استعمال احتياطي العملة الأجنبيه لتمويل ذلك العجز، أي مواجهة فائض الطلب على العملة الأجنبية أو الاقتراض من السوق الدولية، إلا أن مثل هذه العملية لا يمكن أن تتم في حالة وجود اختلال هيكلي طويل الأجل، وفي هذا المدى لا بد للاقتصاد أن يعمل على تخفيض العجز إما طريق التعديل الأتوماتيكي أو سياسات التعديل الأتوماتيكي والتعقيم.

حال تمويل العجز دون تعقيم تنخفض الكتلة النقدية وبالتالي الطلب الكلي حتى يصل إلى مستوى أو نقطة توازن ميزان المدفوعات

تؤدي سياسة تمويل العجز عن طريق احتياطي العملة الأجنبية لدى المصرف المركزي وفي حالة اتباع سياسة سعر الصرف الثابت إلى خفض القاعدة النقدية للمصرف المركزي وبالتالي الكتله النقدية، وهو ما يستدعي لجوء المصرف إلى عملية مصاحبة تعرف بعملية التعقيم، وتتم عن طريق إجراء عمليات مفتوحة بنفس مقدار بيع العملة الأجنبية، ذلك أنه وفي حال تمويل العجز دون تعقيم تنخفض الكتلة النقدية وبالتالي الطلب الكلي حتى يصل إلى مستوى أو نقطة توازن ميزان المدفوعات وهي النقطة التي يتعادل عندها مع العرض الذي يمثل مستوى البطالة وتدني الأجور والتكاليف.

وعند تلك النقطة يصل الاقتصاد إلى نقطة التوازن طويل الأجل المقترن باستدامة الأزمة الاقتصادية، يعرف هذا الأثر بأثر التعديل الأتوماتيكي وهو أثر لا يمكن إبطال مفعوله إلا تعقيم أي إجراء عملية معاكسة تماماً لإبقاء الكتلة النقدية على حالها، ذلك أنه في حالة عجز ميزان المدفوعات يقوم المصرف المركزي ببيع العملة الأجنبية وخفض القاعدة النقدية أي القيام بعمليات مفتوحة بنفس المقدار حتى لا تتغير الكتلة النقدية، وهنا يجب التنويه أنه حتى في حال اتباع سياسة التعقيم من الممكن أن تظل الاختلالات في ميزان المدفوعات قائمة إذا ما كانت ناجمة عن فائض في الكتلة النقدية، ذلك أن ظاهرة العجز هنا ظاهرة نقدية.

سياسات التعديل
نظرا للآثار الجانبية فإن سياسة موازنة ميزان المدفوعات لابد أن تدعمها سياسات تستهدف الوصول إلى وضع التشغيل التام، وبالتالي فإنه من الضروري ربط سياسات تمويل الإنفاق وسياسات خفض الإنفاق بالتوازن الداخلي والخارجي، أو بعبارة أخرى خفض الواردات عن طريق رفع التعريفة الجمركية بالرغم من تناقضها مع أهداف تحرير الاقتصاد أو عن طرق انتهاج سياسات تستهدف خفض الطلب الكلي نظرا لأن العجز التجاري هو ارتفاع الإنفاق عن الدخل، كما يمكن خفض العجز التجاري من خلال خفض الطلب المحلي من خلال السياسات المالية والنقدية الانكماشية؛ ذلك أن خفض عجز الموازنة ينعكس مباشرة على الميزان التجاري ومن ثم ميزان المدفوعات.

تعويم الدينار
يشكك العديد من الاقتصاديين في جدوى السياسات التي اتخذتها السلطات النقدية المصرية مؤخراً والمثمثلة في تعويم الجنيه المصري أي خفض قيمته بنحو 45% ورفع معدل سعر الفائدة ورفع أسعار المحروقات، بينما يؤيدها آخرون ويطرحونها كحل للمشاكل النقدية والمالية التي تعانى منها العديد من الاقتصادات ومنها الاقتصاد الليبي.

لا يبدو التسليم لأي من الرأيين صحيحاً في المطلق لأن نجاعة هكذا سياسات يعتمد على الأسباب التي تدفع إلى اللجوء لمثل هذه السياسات وطبيعة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد وهيكليته ونمط نظام الصرف المتبع، وبالتالي فإن ما يصلح من سياسات اقتصادية في بلد ما لا يصلح بالضرورة في بلد آخر دون قيد أو شرط، من منطلق أن لكل اقتصاد خصائصه وظروفه ومشاكله.

تعويم العملة يعني ترك تحديد سعرها مقابل العملات الأجنبية لقوى العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي، دون تدخل أو دعم من السلطات النقدية ممثلة في قبل المصرف المركزي

ينصرف تعويم العملة كما سبقت الإشارة إلى ترك تحديد قيمتها، أي سعرها مقابل العملات الأجنبية لقوى العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي، دون تدخل أو دعم من السلطات النقدية ممثلة في قبل المصرف المركزي إلا من خلال دوره كأحد المتعاملين في السوق، والقاعدة هنا هي أنه إذا زاد الطلب على العملة المحلية بمعدلات تفوق الطلب على العملة الأجنبية زاد سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، في حين أنه إذا زاد الطلب على العملات الأجنبية بمعدلات تتجاوز المطلوب من العملة المحلية ارتفع سعر العملات الأجنبية مقارنة بسعر العملة المحلية.

بمعنى أشمل أنه إذا زاد الطلب على العملات الأجنبية يتطلب الأمر عرض كميات أكبر من العملة المحلية وبما يؤدي إلى انخفاض سعر العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، أما إذا زاد لطلب على العملة المحلية فينبغي عرض كميات أكبر من العملات الأجنبية وبما يؤدي لانخفاض سعر هذه الأخيرة مقابل العملة المحلية، ويتحقق ذلك عملياً من خلال زيادة الطلب الخارجي على المنتجات المحلية في شكل صادرات؛ الأمر الذي يترتب عليه عرض كميات أكبر من النقد الأجنبي ومن ثم انخفاض سعر النقد الأجنبي، حيث يترتب على زيادة الطلب على المنتجات الأجنبية ضرورة توفير كميات أكبر من النقد الأجنبي لسداد قيمة الواردات وهو ما يستدعي عرض كميات أكبر من العملة المحلية لخفض سعر العملة المحلية مقابل العملة الأجنبية ولذلك تسعى الدول للرفع من إنتاجية اقتصاداتها وزيادة الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة حتى تكتسب ميزة تنافسية تجعل صادراتها رخيصة في الأسواق الدولية بغية زيادة الطلب عليها، وهو ما يعني زيادة الطلب على العملة المحلية ومن تم ارتفاع سعرها مقارنة بالعملة الأجنبية.

دافع تعويم العملة المحلية
بتعبير أشمل فإن دافع تعويم العملة المحلية لمواجهة الانخفاض الشديد في سعرها في السوق الموازية (أي ارتفاع سعر النقد الأجنبي فى السوق الموازية مقارنة بالسعر الرسمي للعملة من ناحية ولعلاج العجز الكبير في ميزان المدفوعات نتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية وعدم قدرة المصرف المركزي على الدفاع عن قيمة العملة المحلية من ناحية أخرى)، ربما يكون ناجحًا عندما يكون الاقتصاد منتجا ولديه أكثر من مصدر للنقد الأجنبي الذي يشكل جانب العرض من النقد الأجنبي في الاقتصاد.

أما في ظل ظروف تعدد مصادر الطلب ووجود مصدر واحد للنقد الأجنبي كما هو الحال في الاقتصاد الليبي الذي يعتمد على مصدر واحد للدخل فقط هو صادرات النفط الخام فإن عجز المصرف المركزي عن تتبيث قيمة العملة المحلية والدفاع عنها بسبب ضعف احتياطياته وتنامي التزاماته بالنقد الأجنبي وتدهور قيمة العملة الوطنية في السوق فإن اللجوء إلى سياسة تعويم العملة المحلية، أي ترك تحديد قيمتها لقوى السوق يمكن أن يفقدها قيمتها نهائيا، وحينها لن تستطيع السلطات النقدية معالجة انهيارها أمام العملات الأجنبية إلا إذا توافرت عوامل زيادة الطلب على العملة المحلية في الداخل والخارج، وبصورة عامة يمكن القول إنه ولكي تحقق سياسة التعويم أهدافها ينبغي أن تكون السلطات النقدية ممثلة في المصرف المركزي قادرة على تطبيق سياسة نقدية تمكنها من التحكم في عرض النقود، ومن تم الثأتير على معدل التضخم واستهداف معدله، كما يتطلب الأمر أيضا وجود سوق نقدية فعالة يمكن من خلالها إعمال سياسة تغيير سعر الفائدة للتحكم في عرض النقود وتشجيع الادخار بالعملة المحلية ومن ثم الاستتمار والإنتاج.

الاقتصاد الليبي حالياً يمر بأزمة خانقة تتجلى مظاهرها في العجز غير المسبوق في الميزانية العامة وميزان المدفوعات معًا

لا يختلف اثنان على أن الاقتصاد الليبي حالياً يمر بأزمة خانقة تتجلى مظاهرها في العجز غير المسبوق في الميزانية العامة وميزان المدفوعات معا، إضافة إلى تدهور قيمة الدينار وارتفاع سعر صرف النقد الأجنبي في السوق الموازية مقارنة بسعر الصرف الرسمي، وعدم قدرة المصرف المركزي في الدفاع عن سعرالصرف الرسمي بسبب الضغوط التي تعرضت لها احتياطياته من النقد الأجنبي، كما لا يختلف اثنان أيضًا على أن سعر صرف الدينار الرسمي الحالي هو سعر غير حقيقي وغير توازني، ونظرا لأن الصادرات النفطية هي المصدر الوحيد للنقد الأجنبي في ليبيا، حيث لا توجد أي صادرات سلعية أو خدمية أخرى مولدة للنقد الأجنبي؟

كما لا توجد أي تحويلات داخله من مصادر أخرى كالعمالة في الخارج، صار المصرف المركزي المالك والعارض الوحيد للنقد الأجنبي في الاقتصاد، أو بمعنى أدق المسؤول الوحيد عن كل التحويلات بالنقد الأجنبي من وإلى الخارج، وهو ما يتضمن أن آلية العرض والطلب التي يمكن من خلالها تنفيذ سياسة التعويم في الاقتصاد الليبي غير متاحة، حيث توجد عدة مصادر للطلب ومصدر واحد فقط للعرض، وهو ما يتضمن أيضًا أنه لا يمكن العمل على استهداف التضخم أو التحكم فيه نظرًا لعدم إمكانية إعمال أدوات السياسة النقدية اللازمة للتأثير في الائتمان المصرفي والتحكم في عرض النقود، وعلى هذا الأساس لا يبدو أن سياسة تعويم الدينار الليبي ستكون سياسة فاعلة في معالجة الأزمة االراهنة للاقتصاد الليبي.

ليبيا تتبع نظام سعر الصرف التابث
يضاف إلى كل ذلك أنه ونظرًا لأن ليبيا تتبع نظام سعر الصرف التابث (ربط الدينار بوحدات حقوق السحب الخاصة المقومة بسلة من العملات الأجنبية القابلة للتحويل بأوزان مختلفة وفي مقدمتها الدولار الأميركي)، فإنه من غير الممكن اتباع سياسة التعويم، وإن كان بمقدور المصرف المركزي تخفيض قيمة العملة المحلية مقابل العملة الأجنبية وفقاً لشروط تمليها حالة الاقتصاد واستقراره.

 الخروج من مأزق تهاوي قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية في ليبيا يتطلب تكامل أدوار السياسة الاقتصادية «المالية والنقدية والتجارية»

بصورة عامة يمكن القول إن انخفاض سعر صرف الدينار الليبي في السوق الموازية (ارتفاع سعر النقد الأجنبي في السوق الموازية مقارنة بالسعر الرسمي للدينار) هو في حقيقة الأمر انعكاس للعجز الكبير في الميزانية العامة وفي ميزان المدفوعات، سواء بسبب انخفاض إيرادات النفط أو ارتفاع حجم الإنفاق العام ، ومن ثم فإن اللجوء إلى تخفيض سعر الصرف الرسمي للدينار دون العمل على تخفيض العجز في الميزانية العامة للدولة من خلال السياسات المالية المناسبة، ودون العمل على تصحيح الخلل في الميزان التجاري ومن ثم ميزان المدفوعات من خلال السياسة التجارية يعني عملياً المجازفة بإدخال الاقتصاد في حالة من عدم الاستقرار وخلق بيئة تضخمية يفقد فيها الدينار المزيد من قيمته وبمعدلات أعلى مما هي عليه الآن.

وسيؤدي ذلك إلى زيادة عجز الموازنة وارتفاع فاتورة الواردات وتبعاً لذلك العجز التجاري، مما يدفع بالمصرف المركزي إلى المزيد من التخفيض في السعر الرسمي لصرف الدينار ولن يستطيع الدفاع عن قيمتة عندما تنهار احتياطيات النقد الأجنبي لديه بسبب الصرف المستمر منها وعدم وجود دخل من النقد الأجنبي يغذي هذه الاحتياطيات، وفي هذه الحالة لن يتعدى تخفيض سعر صرف الدينار مجرد فرض ضريبة إضافية يتحمل عبأها المواطن المنهك أصلاً بارتفاع مستوى الأسعار.

خلاصة القول إن الخروج من مأزق تهاوي قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية في ليبيا يتطلب تكامل أدوار السياسة الاقتصادية (المالية والنقدية والتجارية) ووجود سلطة سياسية قادرة على فرض آليات تنفيذ تلك السياسة.

-------------------------------------------------------

د.أحمد أبولسين عميد كلية الاقتصاد بجامعة طرابلس

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : عزالدين محمد كشلاف

    10.12.2016 الساعة 23:11

    أتفق مع ما جاء في الفقرة الأخيرة، ولا أري ما تقدم ينطبق على واقع حال ألا دولة في وضعها الحالي، حيث لا يوجد تبادل تجاري مع البلدان من حلال مراقبة نقدية تتوسطها المصارف التجارية تحت أشراف المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد ووزارة الخزانة سوى لما هو داخل ولا لما هو خارج من سلع، كلك في غياب مؤشرات اقتصادية للحركة التجارية من خلال إحصاءات لاحتياجات السوق الحقيقية وما صدر بحقها تراخيص استيراد أو إعادة تصدير، وما يقابلها من رصد للحركة الواردة والصادرة من خلال نقاط الدخول عن طريق الاقرارات الجمركية التابعة لمصلحة الجمارك، بصفتها الممثل للخزينة العامة وتقارير المصرف المركزي، لما يقابلها من تحويلات نقدية، مع عدم وجود تدفقات نقدية لغيرها من الأنشطة مصرح بها وفق اقرارات للعملة الواردة عن طريق ما يتم تصريفه رسميا للنشاط السياحي وما يقوم به البعض من دخول عمل بالعملات الخارجية ناتجة عن التحويلات في شكلها الرسمي أو من خلال صرفها في السوق مباشرة.....

  • بواسطة : أحمد علي الشامخ

    7.12.2016 الساعة 17:46

    تعليق على مقال لا التعويم و لا التعقيم إن النظر إلى مشكلة السياسة النقدية و نتائجها في ليبيا يتطلب الخروج من بوتقة الاتكال على التفسير النظري و الالتفات عوضا عن ذلك إلى الوقائع. فالوضع الحالي للإقتصاد لا يمكن تفسيره بإستخدام نموذج كمي يعطي رقماً معيناً لسبب بسيط و هو أن العوامل الرئيسية في الدالة محل النقاش معطلة و تكاد تكون منعدمة الوجود و لا يمكن تفسيرها بأي شكل من الأشكال الواقعية، فمن منا يستطيع تحديد معالم السياسة النقدية في ليبيا و من هو الطرف الذي يقوم بإدارة أدوات السياسة النقدية لمجابهة المشاكل الخطيرة التي تواجه الاقتصاد و على رأسها الإضطراد المستمر في هبوط قيمة الدينار الليبي أمام الصرف الأجنبي و أزمة السيولة الخانقة التي و للوهلة الأولى لا يظهر هناك أي مبرر لوجودها من الأساس.  إن الأسباب الحقيقية في رأيي المسببة لهاتين الأزمتين تتعدى المؤشرات الاقتصادية و هي جوانب سياسية صرفة يبدوا انها تجسدت في سيطرة بعض الاطراف على ادوات السياسة النقدية المؤثرة على أرض الواقع خدمةً لمصالحها و كذلك الفشل الذريع الذي تعاني منه الاطراف الشرعية لإدارة السياسة النقدية التي كانت قد تحصلت على شرعيتها من المؤسسات التشريعية و عدم تمكنها من فرض سيطرتها على أدوات السياسة النقدية التي اصبحت في يد مجموعات ضغط و تأثير غير واضحة المعالم تتصرف فيها كما تشاء و لا تفصح عن ما في جعبتها من مقدرات. فها هي الصادرات النفطية شهدت تعافي ملحوظ منذ بضعة أشهر و لم يطرأ أي تحسن في قيمة الدينار بل على العكس إزدادت سرعة هبوط قيمته على الرغم من خروج الناقلات النفطية واحدة تليها الأخرى ناهيك عن انبوب الغاز بين ليبيا و إيطاليا المعروف بالمسار الاخضر. و على نفس المنوال يمكن قياس هذا الكلام على مشكلة السيولة التي من المفترض انها منعدمة الوجود في ظل تدفق صادرات النفط و الغاز و تحصيل قيمتها بالعملة الصعبة. عليه، يتضح بشكل جلي ان المشكلة الاقتصادية في ليبيا تتمثل في خروج السياسة النقدية عن سيطرة طرف محدد يدير ادواتها خدمة لمصالح و تجاذبات سياسية.

  • بواسطة : محمد الكامل

    6.12.2016 الساعة 09:30

    لا بأس بذلك ولنقل معا لا للتعويم ولكن الذي لا يمكن أن نتنازل عنه هو المطالبة بأن لا يكون لدينا سعران للدينار الليبي أمام العملات الأجنبية فليخفض المصرف المركزي سعر صرف الدينار باستمرار ليحافظ على منع ظهور السوق السوداء للدولار والعملات الأخرى . هذا جانب وجانب آخر أشار إليه الكاتب في مقاله بارك الله فيه ، ألا وهو ضرورة معالجة جانب الانفاق الحكومي أيضا ، أي ليس التركيز فقط على جانب الايرادات على الرغم من اهميته لكن يجب النظر في موضوع حجم الانفاق الحكومي وبسرعة ، فالاقتصاد انما يحلق بجناحين الا وهما الانتاج والايراد من جهة والادخار والاستثمار من جهة أخرى ، الأمر يتطلب ترشيد الانفاق الحكومي اولا ثم التفكير في اقرار سياسة تقشفية ، فنحن لم نصل بعد الى التقشف انما نحن محتاجون اولا الى الرشاد في التصرف في الاموال ، الانفاق الحكومي الآن غير رشيد خاصة في مرتبات القطاع الحكومي من الحيث العدد وليس من حيث قيمة المرتب ، فالاعداد غفيرة وربما تستغرق كل الليبيين القادرين على العمل او معظمهم لديهم وظائف حكومية في ظاهرة غريبة من ظواهر الفساد المالي والاداري يشترك فيها كل من الحكومات والشعب ، كلاهما متورطان في هذا الفساد ، لذلك يجب اولا تخفيض القطاع الحكومي على مراحل طويلة بنسبة لا تقل عن 80 % في تقديري ، بالاضافة الى المرتبات هناك مسألة الدعم التي يجب ان تتوقف على المدى المتوسط او القريب بالاضافة الى الحاجة الى اعادة التفكير في ضبط التصرف في العملة الصعبة من حيث تقنين الاستيراد اما باستخدام نظام الموازنة الاستيرادية او باستخدام الضريبة الجمركية او بكليهما ،ثم النظر في تشجيع ودعم القطاع الخاص تشريعيا حتى نصل الى الى المرحلة التي يكون فيها 90 % من الليبيين يشتغلون في القطاع الخاص و 10% منهم يشتغلون في القطاع الحكومي ، ولا شك ان هذا كله يحتاج الى وجود وتمكين السلطة السياسية التي تسيطر على البلاد كلها وتحكم بكل فاعلية ، وشكرا للكاتب وشكرا لبوابة الوسط

  • بواسطة : Hogdlen

    4.12.2016 الساعة 21:35

    مشكور الدكتور علي التوضيح والشرح والحمد عندنا راجال وخبراء في الاقتصاد ربي يعطيك الصحة موش كيف الاقتصاد التونسي الي نشرت مواقع الاجتماعية مقالة الأيام الماضية وهو مايفقهش شي في الاقتصاد كما اشكر محافظ ليبيا المركزي علي الحفاظ الاقتصاد الليبي رغم كل الهجوم عليه من من لايعرف شي ربي يوفق المخلصين في ليبيا حتي نجتاز الأزمة