كاسترو... في البروفيل الليبي

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

كتابة مرثية في سياسي يغيبه الموت كالزعيم الكوبي الراحل "فيديل كاسترو" تنميط ، أيّ مسألة تتعلق بالثقافة، أو بالسياسة عندما تتمظهر حدثاً ثقافياً تُمليه ضروب الصراع البشري التي تغيّر صيرورة الزمن جوهرها وتغيّب معطيات التاريخ رمزية فرادتها في مندرج الثنائيات كـ :الثورية / الرجعية ،والتحررية/ الإمبريالية، والاستقلالية /الكومبرادورية ، غابة الثنائيات التي شّق الزعيم كاسترو مسالكها المصعّبة في خوضه حرب غوار مثابرة بدأها مع صديقه تشي جيفارا ضد كل ضروب ضواغط الأعاصير على الأُرز وإكراهات العواصف على السُكرّ وإملاءات الأعداء والأصدقاء التي أبهظت جزيرة الخنازير والقائد الثوري في أطلتنتس اليوتوبية كوبا قرابةالـ50 عاماً.

تشاركتُ عبر الفيس بوك إدراجات لأصدقاء توافقوا ضمنيا ومن نفس الموقع الفكري مع وصف الكاتب عمر الككلي لموت كاسترو "برحيل آخر العمالقة الذين كانوا سدا منيعا في وجه الإمبريالية الأمريكية ولم يدخروا وسعا، حسب رؤيتهم، في دعم الحلم الإنساني بالتحرر والعدالة الاجتماعية" الصديق الذي أعارني عام 1972 كتاب خطب فيديل المترجم "كاسترو يتكلم" نمطُ الكتبِ التي سنمقتُ قراءتها وسنُكْرَه على ذلك فيما بعد. محمّد الزنتاني وصف زمن فيديل الثوري بعصر الأحلام المجيدة التي كتبتُ مقالتي السوسيولوجية" الثورات الناجحة لتفشل" في موقع بوابة الوسط2016.11.06 ناعياً انطفاءها موّصفا قادتها بـ" Autocrat - Personali"، مُدرجهم في جماليات الاستطيقا، وتطبيقيتها المفصومة بالثنائيات: الجمال /القبح، والنور/الظل، والواجهة /الخلفية، والبؤرة/التخوم، والبورتريه/ البروفيل.

تشابه الكوبيون والليبيون في استطيقا المكان الجزيرة في صحراء المحيط والواحة في بحر الرمال

من كل الثنائيات أنتقي ثنائية البورتريه /البروفيل وأبتديء بها في مرثية "الرفيق فيديل" يساعدني، تصفحي للأرشيف المصور لسيرة كاسترو المقترح من قبل محرّك البحث"Google " وهو ما حفزّ نباهتي الاستطيقية لالتقاط الفكرة ومحورتها بطرائق الموقعة الجمالية بمغزاها السياسي، حيث يتموضع السؤال التاريخي في ثنائية البورتريه الذي غالباً ماتصدّره "الرفيق فيديل" والبروفيل الذي تنمّط فيه الآخرون كلهم كـ:شافيز وأورتيغا، وناصر ومنديلا ويوحنا بولس السادس وهمنغواى وماركيز، ورفيقاه الحميمان إرنستو تشي جيفارا الذي قاسمه أدغال الثورة الدائمة حتى اغتياله في بوليفيا 1967، وراؤول كاسترو الذي قاسمه الرفاقية والأخوّة وورث عنه كوبا اليوتوبيا الثورية، ونظامها الذي توقع الكاتب البيروفي حائز نوبل، ماريو فارغاس يوسا، بداية تشقق بنى الهيمنة فيه مرجحاً عدم صموده بعد وفاة كاسترو الذي وصفه بالديكتاتور الذي سعى دائما إلى عدم تحريك نظامه السياسي وتطوره.

تشابه الكوبيون والليبيون في استطيقا المكان الجزيرة في صحراء المحيط والواحة في بحر الرمال وفي تقريب طريف شابه الليبيون الكوبيين في أحقيتهم، أولى من غيرهم في إطلاق الأحكام على تجربتهم السياسية –الثورية- سواءٌ أكانت معبرّة عن إرادتهم أو فقط عن رغبات قائدهم في أن يتصدر بورتريه الزعامة ويلقي رفاقه ومعاونيه وشعبه في البروفيل الملتبس الناجح/ الفاشل، الذي جسّد رمزياته الفادحة الثائر القديس تشي جيفارا.

اختار كاسترو بعقل بارد، يحسب بدقة، تسيطر البراغماتية فيه على الأيديولوجيا اقتحام البروفيل الليبي الملتبس، في الموعد السيء بزيارته لصحراء النفط الواعدة له ولتصوراته للمعركة الثانية ضد الإمبريالية في عام 1977 موعد إعلان سلطة أو دولة الشعب الليبية التي سرقها الدكتاتور الليبي سابقاً مرتين من الملك الذي افتكّ بدهاء السياسة الاستقلال عام 1951 من الاستعمار الإيطالي وإنتدابات مابعد الحرب العالمية، ومن رفاقه الذين شاركوه انقلابه المشئوم مابين عامي 73 ،1975، وهذه المرة 1977 يسرقها من الشعب ذاته في الترسيخ العلني لمشهدية الفوضوية المسماة بالديمقراطية الشعبية المباشرة ومكونيها الممسوخين المؤتمرات المقرّرة للغط واللجان المنفذة لـ اللاشئ.

في جلسة مؤتمر الشعب العام ظهر كاسترو رفاقياً وداعماً لمضيّفه دكتاتور ليبيا في الصور فقط، فلم يهاجم الإمبريالية الأمريكية التي بدأت تتحرّش بمضيّفه مستغرقا كعادته في خطاب يدوم ساعات مُرخيا حزام سرواله عن كرشه متحدثاً براحة عن الفلاحين في كوبا، وإنتاجهم الذي ادّعى ممازحاً مستمعيه في جلسة الأمم المتحدة عام 1960 أنه جلب دجاجة حية عينة منه. أو سروده عن المعارك الثورية الستينية اللاتينية والأفريقية الفاشلة التي خاضها نيابة عنه تشي جيفارا واصفاً إياها بشكل دقيق، مما أثار دائما كما كتب ماركيز في مقاله عنه "فيدل كاسترو الذي أعرفه" شكوك الديبلوماسيين الأوروبيين في أنه كان مشاركاً فيها أو وصفه لاعتقال تشي غيفارا واغتياله، كما وصفه للهجوم على القصر الجمهوري واغتيال سلفادور الليندي، أو تتبعه بالرصد الواصف لإعصار "فلورا" المدمر.

هذه طيّة ليبيةـ كوبية في الورقة الكاستروية التي سقطت بقوة الموت والتي مازالت خدّاعة للرومنطقيين

هدف زيارة كاسترو الليبية ليس كما أدّعى الليبيون في حكيهم المرموزي الأخلاقي الـ parable لدعم التوجهات الاشتراكية لرأس النظام وتشجيعه على تفقير الشعب الليبي، وتتبيثه بروفيلاً شاحبا لمدة ثلاثة عقود في لوحة الخصاصة والعوز، بل كان هدفه في رأيي توجّهات كاسترو لتبني استراتيجية إزعاج إمبريالية أوروبا الرأسمالية في مستعمراتها الكولونيالية القديمة في القارة الأفريقية وكيلاً منفذاً للعبة الأخيرة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ونشر جيشه الذي بدأ يتخوّف منه خارج كوبا وإقحامه بدعم مالي ولوجيستي ليبي بالتدخّل في نزاعات القبائل والأعراق، وتأجيج صراع التوهمّات والأيديولوجيات لتطوّير سياسة عابرة لحدود كوبا تناسب كما ذكر ماركيز القوى العظمى هذه المرة في أفريقيا من الجزيرة الأصغر بـ 84 مرة من حجمي الصديق والعدو اللدودين. وهو أمرُ يتمّ التباحث فيه في الثكنات المغلقة والخيام البدوية في الصحراء الليبية المعزولة عن المراصد والمناظير.

ماريو فارغاس يوسا : موضع اليوتوبيات الثورية ومنها الكوبية التي تحمس لها في شبابه مُذ كان يسارياً يؤيد كاسترو، ويشيد بثورته؛ في البروفيل الدستوبي الأورويلي، الصفة الأقرب للكافكاوي، التي تمنح النباهة لتلك السخافة الرهيبة، التي صُنعت من قِبل الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، الديكتاتوريات الأكثر توحشًا وتعقيدًا في التاريخ، في تحكمها بأفعال وأحاسيس المجتمع. حيث يصف جورج أورويل في كتابه 1984، الجو البارد والموحش لتلك الإنسانية المحكومة من الأخ الأكبر، الحاكم المُطلق، والذي بواسطة مزيج مخيف من الرعب والتقنية، محق الحريات والمساواة والعفوية، وحول المجتمع إلى خلية نحل من البشر.

هذه طيّة ليبيةـ كوبية في الورقة الكاستروية التي سقطت بقوة الموت والتي مازالت خدّاعة للرومنطقيين والمرفوعة كمرجعية لدى أصحاب الحنين لماركسية بالنكهة الكاريبية لها مذاق سُكر القصب الذي من أحراشه الكوبية ولدت الأحلام كالعصافير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات