اجتماع فاليتا وغياب المشروع!

شكري السنكي |
شكري السنكي

صارت بلادنا اليوم مستباحة، ودولتها مغيبة، ووحدتها الوطنيّة مهددة بالانقسام والتشظي، وقد طال أمد عذابها وألمها وعذاب شعبها ومعاناتهم، وهي اليوم فِي أَمَسِّ الحاجَةِ إِلى "مشروع وطنـيّ" يحمل إجابات جماعيّة لمواجهة الوضع الرَّاهن الّذِي ينذر بحلول الكارثة.

ويعمل على إنهاء الفرقة وإيقاف الاقتتال والتصـدي للتدخلات الخارِجِيّة الّتي تغذي عدم الاستقرار فِي وطننا الحبيب، ويعمل أيْضاً على التعاون مع كافـة القوى الّتي يهمّها استقرار بلادنا والقوى الساعيّة لإحلال السّلام فِي العالم. وينظر إِلى المُسْتقبل بعين بصيرة وفق خطة مدروسة واضحة المعالم، وبرنامج نهضوي شامل، دون الاكتفاء بالتشخيص لواقعنا المرير وأوضاعنا المأساوية شديدة البؤس.

إنني على يقين مِن أن مشروع العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة وفق آخر مَا انتهت إليه فِي 31 اغسطس / أب مِن العام 1969م، هُو المشروع الوطنيّ الّذِي بإمكانه أن يكون جامعاً وموحداً لكافـة الليبيّين كون الّذِي حدث فِي الأوَّل مِن سبتمبر / أيّلول مِن العام 1969م يُـعـد انقلاباً واستيلاءً على السّلطة بقوَّة السّلاح، ولأن دستور دولة الاستقلال هُو الوثيقة الوحيدة الّتي أسست الدولة الِلّيبيّة واتفق عليها الِلّيبيّون قبل إنشاء دولتهم. يقيني أن مشروع العودة سوف يخرجنا مِن المشهد الدّموي الّذِي غزا الوطن أو كمَا قال الأميــر محَمّد الحسـن الرَّضا:..".. سوف يخرجنا مِن المشهد الدّموي بتغليب المصلحة العليا للوطن والأمّـة دون المصالح الشخصيّة والأهواء الأيديولوجية، وبإمكاننا الخروج ممّا نحن فيـه بإقرار السّلام ونبذ العنـف فيحضننا الوطن جميعـاً..".

العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة سوف تخرجنا مِن المشهد الدموي الّذِي غزا الوطن

العودة إِلى دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة، مشروع وطنيّ بامتياز، وطوق النجاة لنا جميعاً، فقـد كان مثل هذا المشروع هُو طوق نجاة لدى شعوب مرت بحروب وظروف قاسيّة جدَّاً، وتمكنت مِن تحقيق العودة إلى الشّرعيّة الدّستوريّة عملياً على الأرض ولم تكن العودة مسألةً مستحيلةً، فقـد عادت إسبانيا إِلى الملكيّة بعْد حرب أهليّة كارثيّة، وعادت كمبوديا فِي العام 1993م – وبعد انقطاع دام أكثر مِن عقدين مِن الزمان – إِلى النَّظام الملكي والّذِي كان قد حكمها مِن 1953م إِلى 1970م. إذاَ المشروع والحل، يكمــن فِي المناداة بالأمير محَمّد الحسـن الرَّضـا السّنوُسي بتولّـي زمـام الأمور وسلطـات المَلِك إِلى أن تقرر الأمّـة الِلّيبيّة فِي استفتاء عام نظام الحكم الّذِي تختاره بحـريّـة وشفافيّـة، فإذا اختارت الأمّة الملكيّة نظاماً للحكم فِي استفتاء عام استمر الوريث ملكاً للبلاد وباشر مسؤوليّاته الدّستوريّة أمّا إذا اختارت النظام الجمهوري سيمتثل حتماً لإرادة الأمّة وهذا مَا أكده الأميـر محَمّـد بنفسهِ مِراراً وتَكْراراً.

أخيــراً، ما لم يتفق المتحاورون على مشروع ويضعوا مسألة العودة فِي الحسبان، لن يكون هناك حل، ولا حلّ يُرتجى فِي غياب مشروع وطنيّ جدّي، وأن أعضاء الحوار السّياسي سوف ينتقلون مِن مكان إِلى آخر وفِي كلِّ مرَّه سيجدون المشاكل تتفاقم وأن الوضـع قد صـار أكثر خطورة وحساسيّة مِن ذي قبل. بالأمس القريب كان الحوار فِي غدامس وجنيف والصخيرات وتونس العاصمـة، واليـوم الخميس الموافق 10 نوفمبر / تشرين الثّاني 2016م، اجتمع أعضاء الحوار السّياسي فِي العاصمة المالطيّة (فاليتا)، وبحضور مارتن كوبلر المبعوث الأممي إِلى ليبَيا، وبرعايّة جورج فيلا وزير الخارِجِيّة المالطي، أملاً فِي تفادي المخاطر والوصول إِلى حل بعْد أن تعقدت الأوضاع وأصبح الوطـن مهدداً فِي كيانــه.

لا حلّ يُرتجى إلاّ بالعودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة، ويكفـى تجاهـل وانحرف عَن الطريق الّذِي يوصلنا إِلى بر الأمان. كفانا فرقةً وتشرذماً وتمزقاً ودماءً وإثارة النعرات، وتهديد الوحدة الوطنيّة والنسيج الاجتماعي للوطن العزيز.. كفانا صراعاتٍ ومصالح شخصيّة وجهويّة.. كفانا بعداً عَن الحقيقة وغض الطرف عَن قضايا تمس مصير شعبنا ومشروعنا الوطنيّ.

نعــم.. المواطن قد ملَّ وكلَّ ولم يعد بمقدوره الانتظار فالخطر صار يحاصره مِن كلِّ الاتجاهات.. وقد انتظر الـوطن طويـلاً لدرجة أنه لم يعد بمقدوره الانتظار أكثر أو يصبر أطول على الفرقـة والقتال فقد آن له الأوان أن يرتاح ويستريح.
كفانا سيراً فِي طريق المجهول.. لدينا دستور فلنعدله، ومَلِك فلنبايعه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات