الاتفاق السياسي: لابد من إعادة الأمور إلى نصابها

فضيل الأمين |
فضيل الأمين

لابد أن تتوقف العملية العبثية التي تعرقل خروج البلاد من مأساتها ولكي لا تستمر محاولات شراء الوقت والدفع بمشاريع أخرى غير محددة الملامح وغير واضحة الأهداف.

أولاً: الذين يقولون في كل مناسبة وكل فرصة أن الاتفاق السياسي، الذي خرج من الحوار السياسي الليبي برعاية الامم المتحدة، قد فشل ويسوقون لذلك. أقول لهم إن الاتفاق السياسي لم يفشل، وإنما هو لم يطبق كما يجب من الأطراف التي قبلت بالحوار وشاركت فيه طوال عام ونصف.

* الاتفاق السياسي قام على تمديد صلاحية مجلس النواب بعد 20 أكتوبر 2015 واعتباره عند تعديل الإعلان الدستوري لتضمين الاتفاق والتصويت على الاتفاق هو المؤسسة التشريعية الليبية القائمة خلال الفترة الانتقالية التي حددها الاتفاق السياسي إلى حين اجراء انتخابات جديدة بناء على الدستور الليبي.

* الإتفاق السياسي يؤكد على تسلسل العملية التي يقوم عليها تنفيذ الاتفاق السياسي. ففي حين تم في جلسة رسمية في يناير 2016 اعتماد الاتفاق السياسي وملحقاته التي تشمل المجلس الرئاسي بعدده وأسماءه مع التحفظ على المادة الثامنة من هذا الاتفاق. وبهذا يعتبر الاتفاق السياسي الليبي الذي نتج عن الحوار السياسي الليبي في الصخيرات اتفاقاً معتمداً رسمياً كما تعتبر الملحقات المضمنة في هذا الاتفاق وعلى رأسها المجلس الرئاسي بعدده وأسماء أعضاءه معتمد رسمياً من مجلس النواب. وعلى هذا الاساس تم تكليف رئيس المجلس الرئاسي بتشكيل حكومة وعرضها على مجلس النواب.

* لكي تكتمل إجراءات تطبيق الاتفاق ويتم تفعيله يجب على مجلس النواب عقد جلسة رسمية من أجل تعديل الإعلان الدستوري وتضمين الاتفاق الذي أقره في هذا الإعلان الدستوري لكي يستطيع مجلس النواب أن يمارس مهامه وعلى رأسها النظر في الحكومة واعتمادها أو رفضها أو تعديلها. وكذلك أصدار التشريعات والقوانين واقرار الميزانيات والعمل بعمله التشريعي المحدد له. ومن خلال اعتماد التعديل الدستوري يتشرعن مجلس الدولة بصفته المجلس الاستشاري وهو الجهة الاستشارية التي يحدد الاتفاق السياسي مهامها وعملها. ويحدد الاتفاق السياسي عند استكمال ذلك الآلية التي يمكن أن يعمل بها هذان الجهازان من اعمال تطال أي تعديل دستوري مستقبلي يتفقان عليه.

كما لهما الحق النظر في الاتفاق السياسي أو المجلس الرئاسي وتعين البدائل في حالة استقالة رئيسه أو نوابه. هذه الصلاحيات الهامة تعتبر متاحة لمجلس النواب ومجلس الدولة عقب القيام بالتعديل الدستوري وتضمينه الاتفاق فيه. ولهذا عمليات تجاوز التعديل الدستوري يحجب على مجلس النواب ممارسة الصلاحيات التي أقرها له الاتفاق السياسي. وعدم التزامه بالاتفاق السياسي يجعله خارج إطار التشريعي بحكم انتهاء صلاحيته وعدم صلاحية تمديده لنفسه إلا عبر استفتاء شعبي مقنن وصحيح تشرف عليه جهة محايدة.

* إن إستمرار حالة اللاتشريع الحالية في ليبيا هو أمر خطير وغير مسبوق. فحتى في سنوات النظام السابق كان مؤتمر الشعب العام هو الجهاز التشريعي المعتمد قانوناً وحسب التشريعات النافذة. إن واقع الأمر هذا أدى إلى تغييب هذا الجهاز التشريعي الليبي وعدم قدرته بشكله الحالي على ادارة شأن البلاد تشريعيا واشرافياً بسبب حالته وحالة انقسام البلاد فعلياً، كل ذلك يحتم على قادة مجلس النواب وأعضاءه سرعة الاضطلاع بمسؤولياتهم والقيام بمهامهم أو الاعتراف بانتهاء مجلسهم في 20 أكتوبر 2015 والدعوة إلى عقد انتخابات جديدة في فترة لا يجب ان تتجاوز 30 يوماً.

إن استمرار ارتهان مجلس النواب للتجاذبات والمصالح الآنية والشخصية والجهوية هو تغييب واضح وفاضح للمسؤولية والامانة التي اقسم اعضاء مجلس النواب وقادتهم على حفظها والقيام بها. إن الاستمرار في تحميل الشعب الليبي هذه المعاناة المستمرة اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً وزيادة حالة الانقسام الحاد المستمر الذي سيؤدي إلى انفصال فعلي بين أوصال الكيان الليبي عبر تغول أطراف ليبية ذات مصالح يهمها استمرار حالة الفوضى والاحتراب من جهة وجهات ذات مصالح واطماع من جهة اخرى. إن معاناة حالة السيولة مثلا تحتاج إلى تحرك الجهاز التشريعي كما أن استمرار انقسام اجهزة الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية تحتاج إلى مؤسسة تشريعية مسؤولة وجادة تقدم مصلحة الوطن على مصالحها ومطامعها. ولكم أن تعودوا إلى الوظائف السيادية الهامة التي يجب أن يكون هناك جهاز تشريعي وموحد ومعتمد مسؤول يقوم بتعيينها والإشراف عليه. كل ذلك لن يتأتى دون قيام مجلس النواب بدوره في التعديل الدستوري ثم الشروع في مهامه ومن ثم اقتراح اي نقاش أو تعديلات اخرى.

* لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستمرار في لعبة ممارسة الصلاحيات دون أداء الالتزامات. ولهذا سيكون من العبث بل من غير المقبول أن يقوم المجلس الرئاسي الاستمرار بتقديم حكومات لمجلس النواب بحالته هذه والطلب منه النظر في هذه الحكومات. فحسب الاتفاق السياسي الذي أقره مجلس النواب ان هذا المجلس يبدأ في ممارسه مهامه فور قيامه بواجباته والتي على رأسها تعديل الإعلان الدستوري لكي تنتهي حالة الفوضى التشريعية والتنفيذية والرقابية في البلاد. إن محاولة قيادة مجلس النواب الاستمرار في طلب الحكومات ورفضها من اجل العرقلة والتعطيل وشراء الوقت وإطالة معاناة المواطن الليبي هو استمرار لعملية وضع العربة أمام الحصان. هذه العملية يحب ان تنتهي وأن تتوقف.

* مجلس النواب سيكون أمامه فرصة لكي يقوم بإحدى هذه الخيارات: عقد جلسة رسمية يعدل فيها الإعلان الدستور ويضمن فيها الاتفاق السياسي الذي أقره (مع حذف أو تحفظ للمادة الثامنة التي لم يقرها في جلسته الرسمية). أو: رفض تعديل الإعلان الدستوري وتضمين الاتفاق. وهذا يؤدي اوتوماتيكيا خروج مجلس النواب من الاتفاق السياسي وانتهاء ولايته كما كانت محددة حسب آلية انتخابه. كما قد يستدعي البعض قرار المحكمة العليا ببطلانه. هذه القرار الذي تجاوزه الاتفاق السياسي من اجل الوصول إلى توافق وطني شامل. البديل الثالث هو: عقد جلسة رسمية للقيام بتعديل الإعلان الدستورى وتضمين الاتفاق مع تحديد أية نقاط عالقة في إطار تحفظات يرغب مجلس النواب في التفاوض حولها مع مجلس الدولة حسب الآليات التي كفلتها الاتفاق السياسي. ويمكن لمجلس النواب إحالتها للجنة الحوار للتفاوض بشأنها والخروج لتوافق وطني حولها.

* في نهاية المطاف لن تكون هناك أية اشكالية لا يمكن التشاور حولها ولكن لابد ان تكون هناك روح مسؤولة وجادة ونقاط واضحة ومحددة وذات صلة.

* إن الكثير من المحاولات التي قام بها البعض خلال الفترة الماضية من اجل افشال مخرجات الحوار السياسي والاتفاق السياسي، هذه المحاولات بدءاً من مشروع عقيلة-بوسهمين في مالطا الذي أعطيناه فرصة ايام وانتظرنا مخرجاته وكان املنا لو نجح ان يأتوا هم ويكونوا الموقعيين على الإتفاق السياسي ويكونوا هم رواد الحل وابطال ليبيا. ثم تلت بعد ذلك محاولات هنا وهناك وآخرها ملتقى الأخوة والاخوات في اجخره وهو محاولة اخرى لخلق بديل او مسار جديد ونحن نعرف ما آل اليه. إن مسار الحوار السياسي ومخرجاته وعلى رأسها الاتفاق السياسي لم ولن تكن الحل السحري ولا الحل النموذجي. لانه ليس هناك حل سحري ولا حل نموذجي. انه كان ولا يزال هو الإطار الأفضل والممكن في حل الأزمة الليبية. إن استمرار بعض الاطراف ذوي المصالح والمطامع في عرقلة العمل بالاتفاق بالاستمرار في طرح حلول بديلة يعلمون جيداً فشلها مقدماً هو تكريس منهم واصرار على استمرار معاناة المواطن واستمرار الدفع بانهيار البلاد. إن الاتفاق السياسي يشمل في داخله آليات وأدوات تعديله وتحسينه من قبل الأجسام الثلاثة ولهذا لا افهم لهذا التعنت المستمر من سبب سوى الرغبة في استمرار الحالة الراهنة بما فيها من فوضى تضمن مصالح المستفيدين منها.

* إن المسؤولية الآن في بين يدي مجلس النواب قيادة واعضاءاً. ولا يمكن للأعضاء ان يلقوا بمسؤوليتهم التاريخية على عاتق رئيسهم الذي انتخبوه وحده وتحميله المسؤولية على الرغم من علمنا بموقفه الرافض للاتفاق السياسي ومخرجاته. ولكن لا يمكن اختزال المجلس في شخص رئيسه فمن حقه أن يكون رافضاً وله في نهاية المطاف صوت واحد تكفله له اللائحة الخاصة بذلك. إن استمرار اضاعة الوقت والمماطلة سيؤدي إلى ترسيخ الاتفاق والدخول في حروب اهلية طويلة لن يكون فيها اي منتصر ولا رابح.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات