التدجيل على التمثيل

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

ليبيا المرتبكة التي تقودها منذ خمس سنوات عملية سياسية مصطنعة،منعدمة الكفاءة، فقيرة المخيال، منقسمة، بل متشرذمة، اليوم في مؤسسية متوازية المسارات ثلاث حكومات وبرلمانان كل منهما منشعب إلى شقين برلمان في الشرق منقسم بسبب اتفاق الصخيرات وفقرته الثامنة المتعلقة بقيادة لجيش غير موجود، وحكومة توافقية مفترض انبثاقها عنه بين مؤيد ومعارض وبرلمان في الغرب منتهية مشروعيته، منقسم إلى فريق التحق باتفاق الصخيرات متشكل من ذاته في مجلس للدولة، وفريق يبهظه اليأس لخروجه من الصفقة، ومجلس رئاسي مفتوح على التجاذبات التي أملتها الضغوطات الدولية بفرض واجهات تمثيلية هشة للقوى الصراعية الغامضة.

ترجع جذور النقص في التمثيلية إلى ما أسميته في مداخلتي بمؤتمر الحوار الوطني بطرابلس عام 2012، باستبدال العملية السياسية بإدارة سياسية عوّضت تغييب الأحزاب، حكومة دولة الاستقلال الكفؤة. لقد قيّد النظام الملكي منذ الأيام الأولى النشاط السياسي فحلّ الأحزاب الوطنية، ومنع تأطرها في العملية الدستورية والبرلمانية مما شجع الانتخاب على أساس فردي وجهوي وليس على أساس مبادئ سياسية أو اقتصادية لخدمة الوطن ككل، فتحول البرلمان الليبي في العهد الملكي إلى برلمان أصحاب المصالح.

وصف دكتاتور ليبيا السابق الديمقراطية التمثيلية، مؤسساتها وأدواتها ومعطياتها بالدجل السياسي فكان خطابه الديماغوجي لأربعة عقود تدجيلا على التمثيل

وبالتوازي مع ذلك فشلت الملكية في خلق ومأسسة تنظيمات جديدة لاستيعاب مطالب الفئات الاجتماعية مما نتج عنه بروز مشكلة المشاركة السياسية، فلم يتوفر النظام الملكي على المقدرة لبلورة الشرائح الاجتماعية كمجموعات مؤطرة في سياق سياسة فعّالة، كما لم تكن له الإرادة في تفهّم مشاعر الفئات والقوى المجتمعية الشابّة وتوجيه تطلعاتها للمشاركة السياسة نحو المشروع الوطني، بل تركها رهينة مستلبة للديماغوجيات القومية. فلم تشهد مداولات مجلس النواب طوال الحقبة الملكية نقاشات سياسية نابعة من ضمير القاعة و شدّت اهتمامات الناس خارجها. فقضية التلاعب بمشروع طريق "فزان" مثلاً أثيرت من قبل الصحافة، وافتعلتها الحكومة للتخفف من ضغوطات أصحاب المصالح المحتسبين على القصر والحاشية التي بدأ يظهر على السطح فسادها نظراً لتوافر الريع النفطي، ومسألة القواعد العسكرية الأجنبية محسومة بانتهاء مدة الاتفاقية المُبرمة. ورئيس الحكومة التي أبرمتها أعلن في ولايته الثانية بعد اضطرابات عام 1964 النيّه في عدم تجديدها.

كما عجزت الملكية أيضاً على فرض سلطة مركزية تجسدها عاصمة سياسية قارّة، و بلورة مجموعة سياسية موّحدة، وتمثُّل المشاعر التي زايد بها الخطاب القومي على مسألة انتقاص مبدأ استقلال ليبيا في وجود القواعد العسكرية البريطانية والأميركية، كل هذه المناقص صارت مع الوقت الممهدات لانقلاب العسكر عام 1969 بقيادة صغار ضباط الجيش بهدف وحيد هو إلحاق ليبيا بالمشروع القومي الوحدوي في غسقه الأخير.

ففي البداية أصدر النظام الثوري! إعلاناً دستورياً، وحاول بعث مؤسسات قارّة ودائمة ــ كمجلس قيادة الثورة، والاتحاد الاشتراكي العربي ــ وهو محاكاة للنموذج السياسي لمصر الناصرية في هيكلة السلطة وتوزيع مؤسساتها.

غير أن هذه الصيغة لم ترضِ رأس القيادة الذي ما انفكّ يلّح على استبدال العملية السياسية بمنظومة فكرية ملفقة، وهو ما جعل من الممارسة السياسية الليبية التي لم يتمّ نضوجها، تتجه عام 1973 الى أإعلان نمط هجين من الفوضوية تحت شعار الثورة الشعبية والثقافية الدائمة بسماتها التي تشكّلت مع النظام الثوري برفض السلطة المركزية ومؤسسات الدولة كالأحزاب، واستبدالها بالممارسة السياسية المباشرة بهدف تضييق المسافة بين المجتمع والسلطة لدرجة التوحيد في "السلطة الشعبية" التي تلاشى فيها المجتمع والسلطة معاً بدعوى أن المجتمع العادل هو المجتمع الذي يمارس حقوقه السياسية مباشرة دون تمثيل أو وساطة، أو نيابة عبر مؤتمرات يُرسم لها مسبقاً ما ستقرره ولجان تنفذه بشعار "اللجان في كل مكان" وبوسع أي فرد أن يشارك في اجتماعات "المؤتمرات الشعبية الأساسية" بشرط أن يبدي رأيه الموافق لتوجيهات القيادة التاريخية.

وكما انهارت المؤسسة الملكية بانقلاب سبتمبر عام 1969، بضربة ضباط الجيش الصغار كقصر من الرمال، لاشت المجاميع المسلّحة في الأيام الأولى من التمرد الشعبي فبراير عام2011 المؤتمرات الأساسية واللجان الشعبية، ومؤتمر الشعب العام كما يحرق الأطفال لعبة الكرتون. لقد وصف دكتاتور ليبيا السابق الديمقراطية التمثيلية، مؤسساتها وأدواتها ومعطياتها، بالدجل السياسي، فكان خطابه الديماغوجي لأربعة عقود تدجيلا على التمثيل الذي كانت نتيجته سقوطه صريعاً بأيدي المنتفضين عليه عام 2011، السقوط الذي تمرّ بنا هذه الأيام ذكراه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات