الخسـران المحتم

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

بدأت قصة ليبيا مع مصرف «غولدمان ساكس» الأميركي مع رفع العقوبات المترتبة على قضية لوكربي سنة 2008. توجه المصرف حينها إلى إنشاء علاقة تجارية مع صندوق الثروة السيادي الليبي- مؤسسة الاستثمار الليبية- أثمرت تسع صفقات استثمارية، خسر الصندوق نتيجتها 1.2 مليار دولار وحقق المصرف ربحًا بمبلغ 200 مليون دولار. هناك مَن يقول إن تلك هي طبيعة المخاطرة في استثمارات ذات طبيعة مالية وفنية معقدة وعالية المخاطر تحمل في طياتها احتمالات الخسارة مثلما تحتمل الربح. ولكن الصندوق الليبي رأى غير ذلك.

رفع الصندوق دعوى قضائيةً ضد «غولدمان» أمام المحاكم البريطانية، مفادها بأن المصرف قد مارس تأثيرًا مفرطًا على موظفي الصندوق، مغريًا إياهم بقبول صفقات استثمارية غير مناسبة أدت إلى خسائر طائلة للصندوق. ودفع الصندوق بأنه قد تم استغلال ضعف خبرته، وأن «جولدمان» قد استمال بعضًا من مسؤولي الصندوق بأشكال «الاستضافة» الباذخة؛ كان من بينها توفير العاهرات.

خسر الصندوق القضية، وقالت القاضية فيفيان روز في معرض رفضها الدعوى الليبية: «لقد كانت للصندوق أسباب أخرى لإبرام هذه الصفقات إذا ما كانت غير مناسبة، فهي لم تكن مختلفة عن صفقات عديدة أخرى أبرمها الصندوق خلال تلك الفترة»، ورأت القاضية أن العلاقة بين الطرفين «لم تتجاوز نطاق العلاقة الودية العادية ذات الفائدة المتبادلة التي تتكون بين مصرف وعميله».

المؤسسات بمعناها الواسع بدءًا بأصغرها شأنًا وانتهاءً بمؤسسة الدولة أدوات لتحقيق مصالح خاصة

خسرت ليبيا 1.2 مليار دولار وخسرت القضية أمام المحكمة، واحتفظ مصرف «غولدمان» بأرباحه التي بلغت 200 مليون دولار. وكنا في ذلك كله فرجةً في المرآة وعلى المسرح أمام العالم. علاقة ليبيا مع مصرف «غولدمان ساكس» الأميركي ليست فريدة؛ بدءًا من بدايتها، ومرورًا بمجرياتها، وانتهاءً بالخسارة التي أدت إليها وبكائنا على اللبن المسكوب.

ليس الداء قاصرًا على مؤسسة دون غيرها. إن ما يجري في دوائر «الدولة» وميادين المباحثات الدولية والمؤتمرات والمجالس والحكومات كلها تظهر عنا حقائق ساطعة سطوع الشمس. عندنا، ليس من الضروري أن يكون شاغل الوظيفة أو المنصب السامي على دراية بأصول الإدارة ومدارسها وعلى معرفة عليمة وخبيرة بمجال نشاط مؤسسته، ولا أن يكون ذا صفات قيادية توحي بالثقة وتحفز على العطاء، ولا أن يملك رؤية لمستقبل مؤسسته.
تولي المناصب والوظائف عندنا لا يلقي بالاً لكل هذا «الهراء». الوظيفة العامة يتم الوصول إليها- هي لا تأتي- عبر بطانة المعارف والأقارب أو الأجانب أو الحزب أو القبيلة، ولخدمة أغراض ليس في مقدمتها مصلحة المؤسسة.

المؤسسات، بمعناها الواسع بدءًا بأصغرها شأنًا وانتهاءً بمؤسسة الدولة، أدوات لتحقيق مصالح خاصة من تكسب وإثراء وإرضاء غرور وصولاً- عند البعض- إلى المُسفِّ من السهرات وصحبة المومسات.

خراب المؤسسة على يد المؤتمنين عليها ليس له عواقب من الخطورة التي قد يفرضها القانون لو طبِّق أو العرف بين الناس. المحاسبة في ضوء النتائج ليست أمرًا يحسب له حساب، فالمسؤولون محميون بصوْلة أرباب النعم؛ كانوا من الليبيين وأصبحوا في العهد الجديد ليبيين وأجانب. وذلك هو الفساد، السبب الأساس للخســران في العهدين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات