فتحـي جعودة .. رحيل واحدٍ مِن القلة القليلة الباقية مِن زمن الإدْريْس

شكري السنكي |
شكري السنكي

رحل عَـن دنيانا الفانيّة فتحـي سُليْمان جعودة صاحب القلب الطيب والوجه البشوش، والـرجل الّـذِي سيذكره التاريخ الِلّيبيّ. رحــل الـرجـل الّـذِي كان واحداً من ألمع وزراء ليبَيا، والّـذِي أخلـص للوطـن وأحبه فأحبـه كـلِّ النَّـاس. رحـل صـاحب الرصيـد والتـاريـخ والّـذِي تـرك أعمالاً خالدة وذكـراً حسـناً وسيرة طيبـة عطرة، سيظل شذاهـا يفوح إِلى أن يرث الله هذه الأرض ومَنْ عليها.

فِي زمان الرَّاحل فتحي جعودة الّذِي قاده المَلِك إدْريْس السنوٌسي ... كان الوطـن حاضراً، والطموح عظيماً، والإصرار كبيراً، والإرادة مِن حديد، فكبر حلم الوطن لأنه كان هُناك أناسٌ عظماء قادرون على حمله وتحقيقه.

فِي زمان الرَّاحل فتحي جعودة الّذِي قـاده المَلِك إدْريْس السّنوٌسي الأب المؤسس للدولة الِلّيبيّة وأبانا الّذِي لم نعرف أبـاً سواه، كان الوطـن حاضراً، والطموح عظيماً، والإصرار كبيراً، والإرادة مِن حديد، فكبر حلم الـوطـن لأنه كان هُناك أناسٌ عظماء قادرون على حمله وتحقيقـه.. أصبح الحلم حقيقة وتحقـق الإنجاز، ولم يخب أولئـك الرجال آمال النَّـاس وتطلعاتهم.

بالأمس كان هُناك رجـال فِي مستوى الحدث وعلى قدر المسؤوليّـة، ولكـن اليـوم عمت الخيبة والإحباط بيـن النَّـاس، فمَنْ كانت تعقد الآمال عليهـم «خيبوا الظن»، وصارت أوضاع البـلاد عكس المأمول تماماً، فتعقدت المسائل وسادت خلافات وارتفـع السّلاح، فكبرت خيبات الوطـن بكثير مِن رجالاته الّذِين أوصلوا النَّاس إِلى مَا هم فيه مِن خيبات، لأن مَنْ فِي المشهد لا هم لهم إلاّ أنفسهم، ولا يسعون إلاّ لتحقيق مصالحهم وأجنداتهم الخاصّـة، وليسوا كأولئك الرجال الّذِين تفانوا فِي حبّ الوطـن، وعملوا لصـالحه وحملوا على عاتقهم هُمُومه وهُمُوم المواطن، فحققوا الإنجاز فعمّ الخير واتسع صدر الجميع للجميع وصار الوطن لكل مواطنيه.

درس فقيدنا الكبير الهندسة فِي مِصْـر، وبعـد تخـرجـه صار مُهندساً معمارياً يُشَارُ إليه بالبَنَان. تدرج فِي السلم الوظيفي حتَّى صار ناظراً للأشغال العامّة بولايّـة برقـة، ثمّ وزيراً للأشغال العامّـة فِي عهد المملكة الِلّيبيّـة. وعمل فِي وزارة السّياحة والآثار، وفتـح مكتباً هندسياً خاصاً بعْـد فترة مِن انقلاب سبتمبر / أيّلـول 1969م، وكانت له بصمات واضحة فِي كل المواقع الّتي شغلها، وكان إنْسَاناً ناجحاً فِي حياتـه بكلِّ المقاييس.

بالأمس كان هُناك رجال فِي مستوى الحدث وعلى قدر المسؤولية، ولكن اليوم عمت الخيبة والإحباط بين الناس ... لأن من في المشهد لا هم لهم إلاّ أنفسهم، وليسوا كأولئك الرجال الذِين تفانوا فِي حبّ الوطن.

أحـب ليبَيا وقـدم لها كلِّ مَـا استأمنــه الله عنــده، وكان يتمنى أن يـراها أحســن بـلدان العـالـم، وكان بالإمكان الوصـول إِلى ذلك لولا انقـلاب القذّافـي الّذِي قلب الموازين رأساً على عقب. وعشق مدينة بّنْغـازي الّتي ترتسم بصماته على الكثير مِن مبانيها، وتعشعش ذكرياتـه فِي كل ركن مِن أركانها، وزاويّـة مِن زواياهـا. ولا أظن أن هٌنـاك أحداً فِي بّنْغـازي لا يعـرفـه، فهُـو رائحـة أبهى الأزمنة اللّيبيّة، وعريق الأصل، وصاحب الصيت الطيب، والمتواجد دوماً بين النَّاس.

فتحي جعودة سيـرة رجـل أحـب الوطـن.. الرجــل الّذِي قد يندر أن يجود الزمان بمثله!.

الفخر الّذِي مَا بعده فخر.. والقصّـة الّتي لا تتكرر كثيــراً.

فتحي جعودة المولود فِي مدينة بّنْغازي العام 1936م، والمتوفى يوم الأحـد الموافق 9 أكتوبر 2016م، والّذِي عاش شريفاً ومات كريماَ.

رحل فتحي جعـودة، ولكنه سيظل حياً فِي ذّاكرة الِلّيبيّين.. وسيعيش حتماً فِي الذّاكرة كحالة عز وفخر وقدوة حسنة متحلية بالفضائل الوطنيّة العالية، ويذهب غيره ممَنْ استباحوا الوطن وسرقوه وفرّقوا بين أبنائه وزرعوا الفتنة بالبلاد، إِلى صفحات التاريخ السوداء أو مزبلة التاريـخ كمَا يقولون.

وأخيراً وليس آخراً لا نملك إلاّ أنَّ نقول (إنّا لله وإنّا إليه راجعون).. طبت حياً وطبت ميتاً يا أبا سـامــي.
رحم الله فتحي جعودة، وحمى الله ليبَيا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات