توهُّمات الفوضى

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

البيان المنشور في بوابة الوسط بتاريخ 6 سبتمبر 2016 الصادر عن قبيلة الجوازي يقحم التاريخ في إرباكات الديماغوجيا، بمُدّعاه نفي الهوّية الليبية عن الحاكم القرمانلي الذي نفذّ في مشائخ القبيلة مذبحة قصر الحامية ببنغازي عام 1817، كما أن مطلبيته بتحميل الحكومة التركية مسألة التعويض عن الضحايا، عدا أنها لن تؤخذ سياسيا بمأخد الجِدّ، فإنها تعكس هشاشة المكوّن المجتمعي الليبي الذي تعصف به اليوم توّهمات الفوضى.

بموضعة الحقبة القرمانلية في سياقات المجتمعيات الليبية، يمكننا مماهاة نسق الحكم في الدولة التي عُرّفت في القرنين 18 .19 مغربيابـ (المخزن) بالنسق الباتريمونيالي وهوالأسم الذي سكّه ماكس فيبر Max Weber ، توصيفاً لنمط السلطة او الدولة patreimonal state الذي إرتبط ظهوره بظهور الاقتصاد المالي الموصوف بمصطلح ماركس التعميمي بـ " نمط الإنتاج الآسيوي " أو "النمط الخراجي" بتعبير سمير أمين. وهو الشكل الرّيعي المستجدّ الذي بلورت موارده القرصنة البحرية في مغرب القرنين 18 .19 إلى جانب تجارة القوافل التقليدية، كما أُخضعت بلدانه رغم الاختلافات القائمة بينها تقريبا لمواصفات الدولة الباتريمونيالية بنظاميها: ملكية الأرض سلالياً، عبر مركزة التملّك وصياغة حدوده، بإدارة شئون الأراضي المُخضعة والمتاخمة لمقرّ الحاكم من قبل موظفي البلاط. وترك المناطق البعيدة عن المركز لحكم وتصرف الولاة الذين يمارسون من جانبهم سلوكا باتريمونيالياً. بالإضافة إلى خوصصة الجيش وإدارته باستخدام الجُند المأجو، في هيئة جيش نظامي وبيروقراطية منفصلين عن المجتمع، ومواليين لشخص الحاكم وسلالته.

وسواءً أكان بزوغ هذه الدولة من الأُطر التقليدية للسلطة المحلّية، كما هو في مراكش "العرش العلوي"، أو مستحدثة من الخارج كما هو حال البايات في تونس أو الدايات في الجزائر أو باشاوات محلّيين "كولوغلية" كالأسرة القرمانلية في طرابلس التي بلورت، كما في تونس والجزائر، منظومة حكم مستقلة تربطها بالإمبراطورية العثمانية تبعية إسمية وتمكّنت من إدارة القوّة العسكرية وتصييرها آلة الحاكم لإنفاذ سلطته فيما سيكوّن نموذجاً ومجالاً قومياً للهيمنة.

توظيف الحاكم وسلالته للجيش النظامي المأجور، كل ذلك لم يغنه عن الحاجة إلى القبائل

وعلى الرغم من وجود التنظيمات القبلية للمجتمع الريفي، والضوابط الدينية والتقليدية اللتي حاولت الحدّ من ممارسة الحكم الفردي، وامتداد نسقه الباتريمونيالي في كامل النسيج المجتمعي، إلا أنه ظلّ موسوماً إلى جانب استبداديته، بالأصطناعية. فانتساب المؤسس أحمد القرمانلي للطبقة الكولوغلية، أيّ العسكر المنحدرين من ضبّاط أتراك وأمهات ليبيات، لم يَحُل دون انتماء ضباطه الرمزي إلى النخبة الحاكمة التركية، التي نُظر إلى جهازها الحربي والإداري الذي حاول دون هوادة أن يوّحد البلاد ترابياً واجتماعياً. كنوع خاص من التراث الاجتماعي المصطنع، وإلى حدٍ ما، بسبب تصرّفه المصطبغ بطابع القوّة العسكرية الخاصّة، امتداداً للحكم الفردي.

استقلال الحكم عن الضغوطات القبلية، وعدم مراعاته،لاعتبارات النسب العشائري أو القبلي، وتوظيف الحاكم وسلالته للجيش النظامي المأجور، كل ذلك لم يغنه عن الحاجة إلى القبائل التي أعفاها من الضرائب، حتى تضمن أمنه ويستعملها لإخضاع قبائل الأطراف االمتمرّدة على السلطة المركزية.

لقد سعى القرمانليون في حكمهم لليبيا الذي دام 124 عاماُ (1711 ـــ 1835) إلى تقديم أنفسهم للأهالي كليبيين، خلافاً للولاة العثمانيين السابقين عليهم، واللاحقين الذين حكموا ليبيا بعدهم مباشرة من اسطنبول (1835 ــ 1911) . إلا أن استخدامهم لجهاز حكم الدولة بمثابة أداة غزو، واضطرارهم لممارسة التقاليد المراوغة لمراقبة ودمج المجموعات المشتتة كسياسة أمر واقع، وصف سياستهم بالمزدوجة والمنقسمةــ حسب علي عبد اللطيف أحميدة ــ: إلى وجهين أو تصرّفين: الإعفاء والإغراء المادي بالتحالف مع شيوخ القبائل الكبيرة وإعفائهم من الضرائب مثلما فعل يوسف باشا القرمانللي مع أحفاد عشيرة أولاد نوير شيوخ قبائل المحاميد في الجبل الغربي و (عائلةحدّوث) من قبيلة البراعصة في الجبل الأخضر، وعائلة (سيف النصر) شيوخ قبائل أولاد سليمان المنتشرة في سرت وفزان. وسياسة العقاب التي اصطنعها بقسوة ضد القبائل المتمرّدة كما حصل لحّكام فزان المحليين المعروفين بـ "أولاد محمد"، وقبائل الفوايد والجوازي في برقة.

يرسم رودولفو ميكاكي في كتابه "طرابلس الغرب تحت حكم القرمانليين" المصير الليبي الذي انتهت إليه الأسرة القرمانلية. فعثمان بيك ثبته الوالي العثماني الجديد في منصبه حاكماً لبرقة، ولكنه سرعان ماترك البلاد ومعه خليل بيك والي بنغازي، بينما بقي مصطفى بيك في حمى أحمد المريّض في ترهونة التي يغادرها العام التالي إلى طرابلس ليموت فيها بالطاعون، أمام يوسف باشا القرمانلي، زعيم العائلة التاريخي الملتبس بالتناقضات. فقد تركت له وقد صار عجوزاً حرّية البقاء في طرابلس هو وولديه إبراهيم وعمورة بغرض الاستفادة منهما لحمل زعماء الدواخل الليبيين من أنصارهم على الخضوع والاستسلام لدولة العهد العثماني الثاني.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات