«محلك سر»!

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

عنوان أظنه شارحاً لكل ما سيأتي من سطور. من المعلوم أنه في عالم السياسة غالباً ما نجد المتغير أكثر من الثابت ..أو كما يقال.. لا صداقة دائمة ولكن مصالح دائمة.. وشائع أيضاً القول بأن السياسة هي فن الممكن وإدارة الاختلاف.

وبالرغم من ذلك ولكن في مناخ اليوم الذي تسوده فوضي المصطلحات، التي ارتقت إلى حد الخلط والمغالطة والتلبيس، يصدر البعض الأحكام المسبقة والتصنيفات، ويكيلون الاتهامات لكل من لا يتفق مع رؤاهم أو تفضيلاتهم السياسية للمشهد السياسي.

إنها المكابرة والعناد الذي يجعل المرء يبذل قصارى جهده في إثبات صحة موقفه ورأيه مهما كلفه ذلك من ثمن ومهما كلفه من جهد ووقت وأموال! والسبب لأن هناك من يرى أن تنازله عن رأيه منقصة لمكانته وإنزال لقيمته وشأنه!.

بل هناك من يعتقد أن الإصرار على الرأي والتشبث والتمسك به هو قمة الرجولة وعنوان «الجدعنة» وأنه الدليل على قوة الشخصية وقوة الإيمان بالمبادئ! ورأى أن أولئك تغيب عنهم الجمود رذيلة وأن عدم القدرة على قراءة المتغيرات هو المنقصة التي تجعل من الإنسان يعيش خارج دائرة الزمن وفي قوقعة هو ساكنها ومالكها ولكنه في الحقيقة سجينها. وظني أن الجمود يعطي صاحبه شيئا من الرضا المتوهم وإحساساً كاذباً بأنه على صواب وغيره على خطأ فترتاح نفسه على ما هو عليه من رأي وحال!

إنهم يتناسون مسألة مهمة مفادها؛ أن فضيلة الثبات على الرأي والموقف قد تختلط برذيلة لا تحمد عقباها تتمثل في تجمّد الرأي والبعد عن الممكنات، عندما لا نأخذ في الحسبان ما يحيط بالواقع الفعلي من ملابسات وضغوطات ومتغيرات.

حتي «موروثنا الديني» يقر بتغير الفتوي تبعاً لتغير الزمان والمكان.. ولكن للأسف الجمود و«عنزة ولو طارت» هو السائد!

إنه أمر جدير بالانتباه.. وحقيقة غائبة تقول ليس هناك ثبات مطلق في الحياة والمتغير فيها أكثر من الثابت إلا في مجال القيم والمفاهيم الكبرى، وحتى في هذا السياق وعند إنزال تلك القيم للتطبيق العملي فلا مجال إلا التعاطي مع متغيرات وملابسات الواقع؛ حتي حق الحياة وهو في المرتبة الأولى من الحقوق فقد يخضع لاعتبارات تستوجب التضحية ببعضه، فكم من مرّة يضطرّ الطبيب الذي يشرف على عملية وضع حرجة لأن يتحمّل مسؤولية الاختيار الأليم بين الإبقاء على الأم أو الإبقاء على الجنين حين يتأكد أن الإبقاء على كليهما غير متاح.

نعود لعالم السياسة الموصوفة بأنها فن الممكن، وأنها عالم بلا ثوابت، وأن الغلبة فيها للمصلحة التي لها الأولوية والفوقية.. لنأخذ مثلاً حرية التعبير وكلنا نؤمن إيماناً راسخاً بها ولكن لا مناص من الاعتراف بأن هناك حدوداً وقيوداً؛ عندما يؤدي الرأي إلى نشر ثقافة الكراهية والتحريض على القتل وإراقة الدماء والفوضى؛ عند ذلك يتم التنازل عن المبدأ مؤقتاً ووفقاً للحالة.. ويحضرني هنا ما تواتر عن قول لرئيس وزراء بريطانيا حين قال إذا تعرض أمن البلاد إلى الخطر فلا تحدثني عن حقوق الإنسان! الخلاصة و«عملياً» لا مفر من الاعتراف بنسبية تحقق المثل والمبادئ على أرض الواقع.

لا بأس من التأكيد على أن هناك مرتكزات وقيم عليا ومبادئ يؤمن بها كل إنسان بها شيء من الثبات ولا شك في ذلك، ولكن إعادة النظر والعودة عن رأي سابق، وشجاعة تغيير المواقف إذا ثبت فشلها وخللها يعتبر فضيلة، بل إنه من الحكمة التخلي عن المكابرة والعناد باسم الثبات على المبدأ والمواقف والتمسك بالرأي فالمكابرة والعناد وتوهم الثبات على المواقف سيؤدي إلى أخطر العواقب. وأخطر أسباب موت الاجتهاد والإبداع، وتوقف نمو العقول.

أردت أن أقول للذين يتبنون جموداً سياسياً اعتقاداً بأنهم المدافعون عن المبادئ والمثل أن يحترسوا لئلا يتحوّل ما يظنونه الثبات على المبدأ إلى جمود على رأي أفقدته ملابسات الواقع مضمونه وأهميته وصوابيته وجدواه.. «يظنون أنهم يحسنون صنعاً» .. كل ما سبق لا يمنعنا قطعاً من الحذر، وأن نضع أمام أعيننا أن هذا القول بحتمية تكيّف المبادئ بنسبية الواقع وظروف المكان والزمان والملابسات الفعلية على أرض الواقع قد يوقعنا في شبهة الانتهازية الميكافيلية!

وهنا يأتي السؤال.. هذه النسبية كيف نميّزها عن الانتهازية؟ إذ ليس هناك أي معيار موضوعي يمكن الركون إليه.. فعقلية الفسطاطين المتجذرة في موروثنا الثقافي تذهب بنا إلى خيار «الحق والباطل» ولا تترك مجالاً للعقلية الناقدة لرؤية باقي ألوان الطيف الممتدة بين الأسود والأبيض.. فمن يعتقد أنه المدافع عن الحق، وأن الطرف الآخر على الباطل لن يجد سبيلاً للتمييز بينهما بعلامة ظاهرة.

ولذا ما علينا إلا أن يعمل كل منا بما يمليه عليه عقله وضميره، وأن يتحمّل تبعات اختياره وعواقب مواقفه. وللمختلفين أن يتخاصموا لكن عليهم ألا «يفجروا في الخصومة»، وأن يحترموا حق مخالفيهم في الاختلاف.

ما يجب الالتفات إليه بعد كل ما سبق هو عدم اعتناق فكرة أو رأي لأسباب آنية واهية أو أن «العقل الجمعي» يتبني ذلك الرأي وإنما يلزمنا دراسة ما يعرض علينا بعقلانية ودراسة المعطيات المتاحة والمعلومات الموثوقة ثم نقرر ما يجب علينا القيام به.

فالعالم من حولنا في حالة إعادة نظر دائمة بشأن كل القضايا، في الوقت الذي يبدو فيه الثبات على الرأي والموقف هو أبرز مظاهر الحماقة والجهالة.. وفي كل يوم نرى كل الدول تعيد النظر في مواقفها.. ونحن لا نناقش هنا خطأ أو صواب المواقف الجديدة، ولكننا نشير إلى فضيلة غائبة ووهي (إعادة النظر) على قاعدة (رأيُنا قد يحتمل الخطاء). ولكن ما نراه ماثلاً أمام أعيننا للأسف هو أننا آثرنا الجمود والغلو والشطط والتطرف.

متوهمين أن الجمود تمسك بالمبدأ، وأن إعادة النظر تراجع وهزيمة. لحسن الحظ.. حتي «موروثنا الديني» يقر بتغير الفتوي تبعاً لتغير الزمان والمكان.. ولكن للأسف الجمود و«عنزة ولو طارت» هو السائد!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات