مقترح لجنة فبراير كل لا يتجزّأ

يونس فنوش |
يونس فنوش

لقد بات من نافلة القول تأكيد أنّ الشعور بالحاجة إلى إعادة النظر في الإعلان الدستوري، لمعالجة الخلل البنيوي الذي تبيّن أنّه يُعاني منه جراء الصيغة المبهمة التي صيغت بها المادة (30)، لم تكن وليدة اليوم أو أمس.

فقد أخذت تظهر تلك الحاجة وتتأكد يومًا بعد يوم من خلال الانتقادات التي باتت توجّه للإعلان الدستوري، في الحقيقة منذ اليوم الأول لممارسة المؤتمر الوطني مهامه، فمنذ اليوم التالي مباشرة لانتخاب الرئيس الأول للمؤتمر الوطني الدكتور محمد يوسف المقريف، برز التساؤل عمن يمثل سيادة الدولة الليبية ويحق له أن يمثّلها في المحافل الدولية ويتحدث باسمها، ثم أخذت تبرز تساؤلات مماثلة عمن يخوله الإعلان الدستوري ممارسة السيادة: تمثيل الدولة داخليًا وخارجيًا، قيادة القوات المسلحة، إبرام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، تعيين رؤساء الأجهزة السيادية. إلخ.

وهكذا أخذت تعلو الأصوات المعترضة على المادة (30) والمطالبة بإعادة النظر فيها.

وكانت هذه الدعوة أساس وجوهر المطالبات التي أخذت تتبلور حولها حركة المجتمع المدني والقوى السياسية، والتي تمثّلت في تأكيد المأزق الذي وصلت إليه البلاد

وكانت هذه الدعوة أساس وجوهر المطالبات التي أخذت تتبلور حولها حركة المجتمع المدني والقوى السياسية، والتي تمثّلت في تأكيد المأزق الذي وصلت إليه البلاد، وأن المخرج الوحيد من هذا المأزق يتمثّل في إجراء تعديل على الإعلان الدستوري، لمعالجة الخلل الذي اعتراه، من خلال رؤية واضحة محددة هي التالية: أن تستبدل بالمواد من (17) إلى (30) من الإعلان الدستوري مواد أخرى، تحدّد المؤسسات التي تتولّى مسؤوليات الحكم في الدولة في سلطتين: سلطة تشريعية، تتحدّد مهامها في التشريع والرقابة على أداء الحكومة، وسلطة تنفيذية تتولّى إدارة شؤون البلاد، في نطاق اختصاصات وصلاحيات محددة، وتوصيف دقيق للعلاقة بينها وبين السلطة التشريعية.

وقد أخذت هذه المطالبات تتوالى وتعلو، وعُبّر عنها في صيغ مختلفة، في شكل مبادرات للبحث عن حلول ومخارج، قدمت للمؤتمر الوطني لبحثها واختيار إحداها، ثم انتهت جميعها في ما عرف باسم (خلاصة المبادرات).

وكان الأمل أن يجد فيها المؤتمر الوطني رؤية واضحة محددة لملامح الحل، الذي رأى كثيرون أنه قد يكون كفيلاً بمواجهة الاحتقان الذي صار يزداد قوةً وحدةً، حتى بات يُخشَى من أنْ يؤدي إلى انفجار الأوضاع، وتدهورها نحو مزيدٍ من التخبُّط والفوضى، وربما إلى ما لا يتمناه أحد من اقتتال وتحارب.

إلا أنّ المؤتمر الوطني أو بالأحرى فئة معينة داخل المؤتمر ظلت تقاوم مختلف محاولات الوصول إلى حل

إلا أنّ المؤتمر الوطني أو بالأحرى فئة معينة داخل المؤتمر ظلت تقاوم مختلف محاولات الوصول إلى حل، وترفض التسليم بأنّ الرأي الراجح عند جمهور الناس ومعظم القوى السياسية، أن ولاية المؤتمر يجب أن تنتهي في 7 فبراير، وظلوا يحاججون ويجادلون حول هذه الفكرة، ويبحثون عن صيغ تتيح لهم أن يمددوا ولايتهم مزيدًا من الوقت، فظهروا علينا بخارطة طريق تجعل ولايتهم تمتد، كحد أدنى حتى نهاية سنة 2014.

بيد أن هذه المحاولات ووجهت بتصعيد كبير في المعارضة الشعبية، اتخذ لنفسه ما يشبه الشعار في مقولة (لا للتمديد)، دعمته عديد من المظاهرات والحشود في العديد من المدن الليبية، ما مثّل ضغطًا قويًا على المؤتمر الوطني، لم يجد بدًا حياله من الانحناء قليلاً في وجه العاصفة، فخرج علينا بما سُمي (التعديل السادس للإعلان الدستوري) الذي أقر فيه تبني ما عرف بالخارطة (ب) التي تتحدّث عن تعديل للإعلان الدستوري في اتجاه استحداث مؤسستين للحكم: تشريعية وتنفيذية.

وأصدر في هذا السياق قرارًا بتشكل لجنة سُميت (لجنة فبراير)، كُلِّفت بوضع ذلك التعديل في مهلة أقصاها نهاية شهر فبراير.

وقد عملت لجنة فبراير وفق هذا التكليف، فوضعت تعديلاً للإعلان الدستوري يستجيب لروح المطالبات الأصلية من جهة استبدال مواد جديدة بالمواد من 17 إلى 30 من الإعلان الدستوري. والحديث بتفصيل ووضوح ودقة تامة عن مؤسسات الحكم، متمثلة في: مؤسسة تشريعية (مجلس نواب) ومؤسسة تنفيذية (رئاسة الدولة والحكومة)، وحدّدت صلاحيات كل منهما وعلاقتها بالمؤسسة الأخرى.

وقد صمم مقترح لجنة فبراير على أن يكون كلاً متكاملاً لا يقبل التجزئة أو الفصل بين مكوناته، فتحدث عن سلطة تشريعية، وظيفتها الوحيدة هي سن القوانين والتشريعات، ومراقبة عمل السلطة التنفيذية ومساءلتها يتمكن من حسم آلية انتخاب الرئيس، ثم انتخابه، وهي مسألة قد تستغرق وقتًا، إذا ما كان القرار في اتجاه الانتخاب المباشر. فمن يتولّى رئاسة الدولة ورئاسة السلطة التنفيذية خلال تلك الفترة؟

هذا ما عبّرت عنه بأنّه عبث وإضاعة للوقت وخلط للأوراق. وأدعو إلى وضع حدٍ له بالآتي:

1) أنْ يُصدر المؤتمر الوطني قرارًا بتبني مقترح لجنة فبراير كما هو دون حذف أو تغيير.

2) أنْ يصدر المؤتمر الوطني قرارًا بتجميد أعماله في مجال التشريع، وأن يقتصر على متابعة الإشراف على العملية الانتخابية.

3) أنْ يتوقّف المؤتمر عن محاولة تكليف شخص بتشكيل حكومة جديدة، وأن يصدر قرارًا بتكليف الحكومة الحالية كحكومة تسيير أعمال.

4) أنْ يستثمر ما بقي من وقت حتى إتمام الانتخابات البرلمانية والرئاسية في استكمال أعمال البحث عن مقر لمجلس النواب في مدينة بنغازي، كما ينص على ذلك مقترح لجنة فبراير، وتجهيز المقر كي يُباشر فيه المجلس أعماله على الفور.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات