إسرائيل تُصادر كافكــــــا... نــا!

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

المغارم العنفية وسياقاتها التي تضرب بعمق في رمزيات المجال السياسي والثقافي، تعيدنا إلى النقطة الصفر في الصراع الشرق-أوسطي الذي تجاوز فلسطين لينفجر في الكيان العربي الشامل ليعود مجدداً للحدث الفلسطيني ذاته، فيما ورد من ترجمة لتقرير عن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بتاريخ 9 أغسطس 2016 يخصّ الحكم البات- و هي جملة كافكاوية أصيلة- الذي أصدرته المحكمة العليا في إسرائيل بأيلولة الكتابات المخطوطة لـلمؤلّف التشيكي المولد والمعيش، اليهودي الديانة، الألماني اللغة " فرانز كافكا"، إلى الأرشيف الوطني الإسرائيلي واعتبارها جزءاً من تراث دولة إسرئيل، وبذلك تكون المحكمة قد حسمت معركة قانونية استمرت ثماني سنوات لصالح الدولة ضد عائلة الوريثة "استيرهوف" سكرتيرة صديق كافكا الكاتب ماكس برود، المتوفى في تل أبيب عام 1968، والذي نقل معه كتابات كافكا المخطوطة أثناء هروبه تحت الإكراه النازي من براغ إلى فلسطين عام 1939 مخالفا رغبة صديقه فرانز كافكا وهو يلفظ أنفاسه مريضاً بالسّل عام 1924 بإتلافها بوصية الحرق التي شكك في ملابساتها وفنّدها مُواطن كافكا الروائي التشيكي المعاصر ميلان كونديرا في كتابه الوصايا المغدورة.

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بمصادرة مخطوطات كافكا وإلحاقها بالأرشيف الوطني ربما يكون الأنكى غدراً وإجحافا، والأقضُّ مضجعاً للكاتب المنكود في قبره من غدر صديقه ماكس برود بعدم تنفّيذ وصيته وترك كتاباته الأصيلة بخط يده لقمة سائغة للمحكمة الإسرائيلية وإجرائها النافذ بحكم القانون الذي وقف بطله في قصته "أمام القانون" سنوات طالبا من حارس بابه برجاء مُلّح منكسر الدخول إليه.

من تجربة قراءة ومعايشة لكتابات كافكا و لسيرته، وما كُتب عنه بدأت منذ 4 عقود، عبر الترجمة، ولاحقاً للتدقيق في الترجمة بقراءة أصول بعض كتاباته في لغتها الألمانية الأصلية، أستطيع أن أحدّد الكافكاوية في ثلاثة محاور كبرى: المتاهة، والامتساخ، والتهمة.

المتاهة غير المحددة بدافع، والامتساخ غير المرفق بذريعة، والتهمة غير المسببة بذنب. وهذا الثلاثي المقدور هو مايحّف بمصير كتابات كافكا بعد صدور الحكم، بإلحاق أوراقه المخطوطة بأرشيف المؤسسة- المتاهة التي عبرّ عنها مضمون روايته المعروفة "القلعة"، والامتساخ أن ينسب أدبه الإنساني إلى تراث وتاريخ الدولة الشوفينية الإسرائيلية، فيُمتسخ كافكا صرصاراّ كبطله غيرغوار سمزا في رواية "الامتساخ"، والتهمة أن يصبح مواطنا إسرائيليا، مُرفقا بقوائم الموتى من سكّان "كيبيوتس" تابع للدولة الصهيونية المؤسسة لغرض عذاب الفلسطينيين منذ 7 عقود باحتلال أرضهم وتشريدهم في المخيمات، والمنافي،وقتلهم، وتدمير بلداتهم، وعزلهم فيها بإقامة جدران الفصل العنصري، وعقابهم على ذنب أو جريرة لم يقترفوها، إزاء المستوطنة الإسرائيليةـ الكبيرة التي كتب في وصفها روايته القصيرة المعتمة "مستوطنة العقاب".

المواطنة الثقافية أو الانتماء الضميري المجبر عليه كافكا يُقرّ اليوم بحكم المحكمة وتقيم الحكومة الإسرائيلية عليه إدعاءها بأن الإرث الأدبي لكافكا هو جزء مهم من تراث إسرائيل ويجب أن تحتضنه المكتبة الوطنية في القدس بجانب الكتب القيمة! الموجودة فيها، والتي تعبر عن يهودية الدولة، وهو إدعاء جائر، ربما سيجلب الكاتب المنكود للتحقيق معه ومساءلته أمام محكمة التاريخ، المصير الملتبس بل الشائك الذي حاق ببطله جوزف. كَ في روايته "المحاكمة".

المتاهة التي خصّت الجميع فقد تمثلث في تهوين معنى الوطنية وتكريهها في وجدانهم وتشكيكهم في معتقداتهم الفكرية

من يَزُرْ براغ عاصمة دولة تشيكيا- التي زُرتها بذريعة ظرف عائلي مبهظ لمرتين في شتائي عامي97 و98- ويجُسْ في الدروب، التي تمشّاها كافكا، والأماكن التي ارتادها، كالشقة التي بدأ فيها كتابة فصول "المحاكمة" في زقاق بيلكوفا، ومقهى سلافيا المواجه لقلعة براغ، الذي كان يقرأ فيه قصصه لأصدقائه، ومقهى سافوي بزقاق فيزنسكا حيث كان يلتقي صديقه الممثل "إسحاق لوفي" والقاعة السياحية الفقيرة المعلّقة على جدرانها فقط صوره، والمكتبة- والتي كانت في الماضي متجراً لأبيه- بدرب ستارمستكا، والمتخصصة اليوم في بيع كتبه المنشورة، وكتابات عنه وعن مؤلفاته بكل اللغات الأوروبية، والطرق التي عبرها جثمانه إلى المقبرة اليهودية في "جالفسبو" بضواحي براغ حيث يثوي جسده، يشعرْ بأن روح كافكا ليست بكاملها في براغ مدينته، بل في "الديسابورا " أو الشتات الروحي في دولة إسرائيل، حيث تؤسر مخطوطاته وتضيع، بل تموت بعيدة عنه.

القرار الذي بنت المحكمة عليه إجراء مصادرة الممتلكات الأدبية والوثائق النادرة التي تخص كافكا، والتي كانت بحوزة ورثة المالك الأصلي "برود"والتي تضمّ "مذكراته ورسوماته في باريس، ورسائل بخط اليد متبادلة بينه وبين برود، مرفقة بكتابات للأخير. يمكننا تفهم تسبيبها القانوني كون ماكس برود لم يكن يرغب وفقاً لإرادته بأن يبيعها، وهو ما أكدت عليه محكمة "شؤون الأسرة" في تل أبيب عام 2010 بأنه طلب بشكل واضح من "هوف" فهرسة ونقل مجموعة مخطوطاته إلى "مكتبة الجامعة العبرية في القدس أو في المكتبة البلدية بتل أبيب أو أي مؤسسة عامة أخرى في إسرائيل أو خارجها".

تقريباً كُل من قرأ كتابات فرانز كافكا، وتماهى بمضامينها، من جيلي الثقافي الليبي المعروف بـ"السبعيني" الذي استهوته في بواكير العمر القراءة، وخامرته تجربة التأليف والكتابة، يمسّه في جوهره الإنساني هذا القرار الجائر الذي أصدرته المحكمة الإسرائيلية في حقّ كاتبهم الأيقونة، فرانز كافكا، وثراثه الأدبي، كما مسّهم في كينونتهم إلى حدٍ ما المصير الكافكوي في ضروبه الثلاثة المقدورة.

التهمة أو الاتهام بالمعارضة السياسية العلنية والضمنية، التي دفع جُلّ كُتاب هذا الجيل مع غيرهم من المعارضين الليبيين ودونهم ثمنها الباهظ لسنوات في السجن، وضروبه من التنكيل والعسف والتخويف. أما الآخرون الذين حجزوا خارجه، فكان النفي النفسي من نصيبهم، بل الصمت، والتضييق والتشرّد في الاغترابات. أما الامتساخ الذي يحيق بالآدمية فكانت ضروبه الحرمان الذي حاق بالمساجين من أضيق متنفسات السجن كالتغذية بشروطها الدونية، والرعاية الصحية والكتابة، والزيارة، وتوفير وسائل المعرفة. أما من بقي منهم في السجن الكبير المفتوح فامتسخت آدميتهم في ثكناث التدريب والتجييش العسكري العشوائي، وتجنيدهم في الحروب العبثية، وإهانة كرامتهم في طوابير الجمعيات الغذائية الاستهلاكية، أو بإكراهات الانتساب إلى المعسكرات التسييسية، وإجبارهم على الانخراط في سفاهات المؤتمرات الشعبية السياسية.

أما المتاهة التي خصّت الجميع، فقد تمثلث في تهوين معنى الوطنية وتكريهها في وجدانهم، وتشكيكهم في معتقداتهم الفكرية، وتسفيه اختيارتهم، ومواهبهم، وطموحاتهم، وعزلهم، والتضييق عليهم في أن يأخذوا مكانهم اللائق بهم في قلب الاهتمامات الفكرية والأدبية في المحيطين العربي والعالمي.

المصير الكافكاوي الفردي الذي انفردتُ به، ربّما دون جيلي من المثقفين والكتاب الليبيين، والذي بدأتُ خطواته المتعثرة المضطربة وتلمساته المعشّاة الملتبسة في نفق الحياة الليبية المظلم، منذ عام 1973 بإعلان الثورة الثقافية من قبل دكتاتور ليبيا السابق الحدث السياسي الذي قاربه وصف "تزفيتان تودوروف" للشرّ، أي الضرر، الذي ربما لم يمسّني أو يصيبني مباشرة في وجودي المادي، بل أخافني بإضراره برفاق مدرستي الذين اُعتقلوا مراهقين وهم تحت السنّ القانونية وبزملائي في قسم الفلسفة بكلية الآداب الذين عصف بهم حدث 7 أبريل المشئوم، وأصدقائي الكتاب الذين حاقت بهم لعنة الكتابة فنكّلت بهم الدكتاتورية في سجونها، ولن يتوقف الإكراه والإضرار حتى العام 2013 بتنفيذ قانون العزل السياسي، الذي أضرّ بشرفي الفكري بأن وصمني بالولاء والتبعية لمؤسسات النظام الدكتاتوري وبإقرار حرماني بإجراء مقارب للمتخيّل الكافكاوي من توّلي منصب عام في الدولة الليبية، قرار العزل الذي ميّزتني به ثورة 17 فبراير الليبية دون رفاقي المثقفين.هو قدر تراجيدي نخصه بمقالة أو رواية كافكاوية منفردة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات