من أسرار "الهردميسة"

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

الهردميسة، فى اللهجة الليبية، تعني، باختصار، الفوضى العارمة والانفلات وعدم الانضباط أو، كما يقال، اختلاط الحابل بالنابل.

لا شك لدي أن أي مجتمع عانى لعقود من حكم الفرد الشمولي مما أعاق تواجد مؤسسات سياسية أو ممارسة سياسية باستثناء ممارسة الجمهرة .. المؤكد أنه بزوال سلطة القهر لن تؤول أمور الدولة إلى أي استقرار. ودليلي أن ما نراه من الفوضى في بلادنا كان سيحدث حتى لو مات القذافى طبيعيا. إنه انفلات الرغبات والطموحات الفردية وغياب رادع سلطة القهر.

وأعرج بعد هذا التقديم المختصر على عوامل أخرى أظنها ساهمت أيضا فى تشكيل المشهد الحالي:

الانتماء البدائي
يصعب فى المجتمعات النامية "كحالتنا!" أن ينتمي الناس لفكرة ما؛ ولكن الانتماء "البدائي" يغلب ويتغلب على أي انتماء فكري.. ولهذا أرى من الصعب أن يتم تقييم الأفراد حسب الآيديولوجيا "وعالم الأفكار". الانتماء البدائي يبدأ من الدائرة الضيقة: الأسرة والأقارب والحي والقرية أو "المدينة القرية" والقبيلة والجهة والإقليم ويكون الانتماء للوطن فى آخر القائمة!!

لو أقررنا بذلك يتضح لنا سبب المتناقضات التى نراها في المشهد… حيث لا عقلانية للتحالفات القائمة. تجد الولاء لمدينة ما يجيز الارتباط بين الداعشي ومن ينتمي إلى التيار المدني؛ المهم أن من يحكم ويستولي على السلطة (مننا وعلينا) أخوان مقاتلة داعش لا فرق..الآيديولوجيا والانتماء الفكري لا يحول دون دعم أبناء المدينة الواحدة أو القبيلة الواحدة بعضهم بعضا.

نأتى بعدها إلى مسالة أخرى.
يقول ابن خلدون (حب الترؤس من الجبلات الراسخة في الإنسان). ولذا إن لم تتم السيطرة على هذا الشعور وتهذيبه وتربيته ودفعه نحو التشكل في قوالب إيجابية، فإنه يماثل في سطوته ونفوذه أثر المخدر الذي يرسل الضمير والمعايير والقيم في رحلة لا عودة منها. ويقول بعضنا ساخرا إن المصابين بهذه الآفة لدينا عددهم أكثر من عدد سكان قطر!

وأظن أن ذلك بسبب حالة انفلات رغبات وطموحات كثيرة بعد حقبة طويلة من حكم الفرد الشمولي كانت تتوهم أو تعتقد أنها تملك إمكانيات تؤهلها لتقدم الصفوف… هذه الآفة سبب رئيس فيما تعانيه ليبيا الآن.

"دع عنك التأويل الذى يحصر السبب فى صراع آيديولوجى وقناعات فكرية أومنطلقات جهوية وووو إلخ .. فكل ذلك يأتي في مرتبة تالية" كل ما في الأمر، كما أراه، ليس سوى صراع على السلطة أو "الترؤس" والتكالب على المال .. وبالمناسبة وإن سألت عكس الترؤس… أقول لك إنه التواضع… وهو (رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقُّه فضله ومنزلته. وهو وسطٌ بين الكِبْر والضِّعَة، فالضِّعَة: وضع الإنسان نفسه مكانًا يؤدى لتضييع حقِّه. والكِبْر: رفع نفسه فوق قدره)

قبول الآخر!
لا وجود فى ثقافتنا السائدة لما يشجع على قبول الآخر. بل يغلب عليها معاداة "الآخر" والحض على الكراهية .. فنصوصها المرجعية لا تشتمل إلا على القليل مما يحرض على عناصر القبول الإيجابي للآخر، مقارنة بما تحوي من تحذير وتحريض وتخويف وقدح لاذع في "الآخر"، الذي يرونه في الأغلب من منطلق أنه من "غير المؤمنين".

نحتاج إلى الشجاعة والجرأة لنتقبل الرأي الآخر، وكما يعلم الجميع فنحن نملك خاصية تتمثل في صعوبة التفاهم مع الآخر وتقبل النقد منه، ونحارب بشدة مَن يُخالفنا في الرأي ولا نقر له وجوداً إذا رفض رأينا وقولنا.
"قبول الآخر" لا يحتاج إلى الخطب الرنانة والمواعظ الأخلاقية المجردة، وإنما يحتاج لوقائع ميدانية ومبادرات مؤسسية تستوعب جميع أطياف الوطن وتحمي تنوعه بقانون وإجراءات دستورية.

إن الاعتراف والإقرار بثقافة التسامح و"قبول الآخر" والاعتراف به هو أمر جيد ومقبول نظرياً، ولكن يجب العمل من أجل ترسيخ قيمة هذه الثقافة وتطبيقها في الحياة اليومية بشكل يعود بالفائدة على الجميع دون استثناء.

أخيرا يبدو المشهد الليبي مفعما بالتدخلات الإقليمية والدولية بعد عجزنا عن القيام بأعباء بناء الدولة أو ربما كان عجزنا نتيجة لتلك التدخلات.. يمكن القول بأنه لو توقف تنازع المصالح بين الدول الإقليمية وحدث توافق قوى دولية فاعلة بشكل جاد وحقيقي ستنتهي كل المناكفات السياسية التي تخوضها الأطراف الداخلية بشكل سريع، رغم ما نراه من إصرار وعناد وكراهية.

هذه محاولة متواضعة لسبر غور أسباب ما نحن فيه. وبالقطع هناك أسباب أخرى.. وإذا عرف السبب، بطل العجب.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات