مطاع صفدي من المُوات إلى الموت

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

مطاع صفدي فارس كلمة آخر يترجّل غيابا، ويتواشج موتا مع موت، بل مَوات وطنه السوري- العربي الذي يموت اليوم ؛ والذي أشبعه لثلاثة عقود أسىً، وغُبنا، وضياع منافٍ.

كونه طاقةً من الطاقات الفكرية السورية التي اصطبغت، توتراً بتمزّقات مثقفي النصف الثاني من ستينيات القرن الـ 20 الذين استقطبتهم ليبراليات الظهور الثقافي اللبناني، وتعالقاته بتوّترات الظاهرة الفكرية القومية بمسحتها القلقة التي أشبعتها الفلسفة الفرنسية بطبعتيها الظاهراتية التي أرسى آفاقها "الذاتانية" الفيلسوف (ميرلوبونتي)، والوجودية التي روّجها في أدبياته الغزيرة الفرنسي (جان بول سارتر) ونزعات التمرّد والعبث في غرب مابعد الحرب العالمية الثانية، الذي كان صفدي من مترجمي أدبياته، وغيره من الظواهر الفكرية التي توافقت مع انكسارات المشروع العربي، وتأزماته القومية، تلك التي عكسها المثقف العربي بروحيته وطوباويته المثالية معبراّ عن الوجدان والضمير العربيين بعد الهزائم الكاسحة للمشروع القومي، الذي قادته البرجوازية السياسية العربية بتمظهراتها العسكرتيرية وأُحادياتها الحزبية، ومؤسسات اشتراكياتها الناقصة، والمنغلقة، قبيل هزيمة الجيوش العربية أمام إسرئيل في حرب عام 1967. وما بعدها.

شابه مطاع صفدي مجايليه السوريين الذين سبقوه في رحلة الموت أمثال المفكر العقلاني إلياس مُرقص، والمفكر القومي نديم البيطار، وآخرهم جورج طرابيشي الذي كتبنا مقالا ناعين خسارة رحيله ووطأتها على النقد الأدبي العربي في موقع (بوابة الوسط) الليبية 27 مارس 2016 بعنوان "جورج طرابيشي… المحطة البطرياركية" والذين قاربوه في الاهتمامات الفكرية الوجودية، والانشغالات القومية (البعثية)، المنشطرة عن "الستالينية الإقطاعية" المجسّدة في نظام البعث السوري. إلا أنّه تميّز عنهم بالكتابة بدءاً في الإبداع الروائي كراعيه السياسي/ القومي والناشر المترجم والكاتب الروائي(سهيل إدريس). فكتب صفدي روايات كـ: (جيل القدر، و ثائر محترف) نُظر إليها بذائقة جيلنا في السبعينيات الأدبية للقرن الـ 20- وهو ما تشيُّ به عناوينها- بأنها لا تعدو أن تكون سوى سردية مضمونية تروي تراجيدية السياسي العربي (المثقف) عبر بطولته المأزومة.

السؤال الذي سيبقى بعد رحيل مطاع صفدي بالموت، وهو حقّ على الإنسان هو: ماذا سيبقى فكريا منه؟

إلا أن استبعادات الأنظمة العربية وسياسات إكراهاتها، التي تلجيء المثقف والكاتب العربي، كما عبر عن ذلك الشاعر والمسرحي (برتولد برشت) ، بأن يغيّر وطنا بوطن كما يستبدل حذاءً بحذاء، ألجأت الكاتب صفدي من بيروت إلى الالتصاق براديكاليات القومجية العروبية عبر ممثّلها المراهق والشعبوي النظام العسكري الحاكم في ليبيا 1969-2011 مشخصنا في دكتاتوره السابق (معمّر القذافي)، الذي اصطاد صفدي كغيره من الكتاب والمفكرين العرب إلى شبكة إيديولوجيته وسياسته المرُيبة بتناقضاتها، أمثال المصري غالي شكري، والناقد الأدبي السوري محي الدين صبحي اللذين روّجا لنظريات العقم في كتابه الأخضر، والسوريين إلياس مرقص، وجورج طرابيشي، وحافظ الجمالي، ونديم البيطار الذين استقطبتهم مؤسسته الديماغوجية العروبية (مؤتمر الشعب العربي) ومجلسها للثقافة العربية.

انجرّ مطاع صفدي مبكرا بحسن طويته كما ذكر ذلك الكاتب الليبي المعروف (أحمد إبراهيم الفقيه) مخدوعاّ في أحابيل دكتاتور ليبيا السابق (معمّر القذافي) ظّانه عونا للفكر القومي، مسهما بتمويل ليبي لأغراض القذافي المخفية في إنشاء "معهد الإنماء العربي" في بيروت الذي سرعان ماتركه بعد أن اكتشف كما باح للفقيه، الوجه البشع للدكتاتور الفوضوي، الذي انهمك في حقبة الحرب الأهلية اللبنانية بأموال البترول الليبي في تمويل كل أطراف الصراع في حرب الجميع ضد الجميع، بنفس أسلوبه المتناقض والمريب في اللعب بين متناقضات الفصائل الفلسطينية.

فقد تلاعب بالنقائض الطائفية والأيديولجية والسياسية اللبنانية بكل انتماءتها، وولاءاتها، بادئاً بفَرق الصف الإسلامي سنة وشيعة، ثم تركه لحاله والصرف مجدداً علي الشيوعيين والقوميين والأصوليين، وعلى المكوّنات المسيحية السياسية كـ "الموارنة والروم الأرثوذكس والكاثوليك"،داخلا على قناة السوريين، بدعم جيش الردع الذي يتبعهم،مشبعا في كل ذلك "بارانوياه" المريضة بأن يقتل الواحد الآخر.

وهو ما جعل صفدي، كما ذكر الفقيه، ينأى بنفسه عن القذافي ثم عن العالم العربي كله عائشا في باريس مؤسَسا، ربما بما نجح في غنمه من أموال فيما يشيعه عنه النظام الليبي لـ "مركز الإنماء القومي" مترئساً تحرير مجلتيه " الفكر العربي المعاصر" و" العرب والفكر العالمي"، مسهما فيها بالكتابة والترجمة مع كوكبة من أبرز المفكرين والباحثين والمترجمين العرب.

السؤال الذي سيبقى بعد رحيل مطاع صفدي بالموت، وهو حقّ على الإنسان هو: ماذا سيبقى فكريا منه؟ سؤال سيجد الباحثون العرب، بالذات الفلاسفة، منهم صعوبة في الإجابة بدقة عليه.

لقد خصصت الباحثين في الفلسفة بالإجابة على السؤال الصعب، لأن الفقيد مطاع صفدي دخل رحابها، دون إذن منهم ، ودون أن يتأسس فيها أكاديميا، ودون أن يتمرحل فيها كرونولوجيا، بل اتسم مساره المرتبك فيها عبر ترجمته المبكرة، المشتتة، للأدبيات الوجودية والنقديات المجتمعية الحضارية لفلاسفة مدرسة فرانكفورت كـ " هربرت ماركوزه" مُعنتاً في توصيل مضامينها ورؤاها الفلسفية للقاريء العربي، قافزا وبجرأة خارقة العتبات المعرفية البينية منخرطا في الترجمة والتأليف في فلسفات ميشيل فوكو وفلاسفة الاختلاف كـ : "دريدا ودولوز" محاولا تبيئة فلسفاتهم بغموض وإنبات مظهرياتها المفاهيمية بدون تسميد معرفي في التربة القاحلة للفكر العربي، وهو تجاوز معرفي أبان تهوّره وشططه الباحث الفيلولوجي المعمّق وفيلسوف اللغة المغربي (طه عبد الرحمن) بأن خصصّ في كتابه (فقه الفلسفة) وقفات مسهبة ومعمقة في موضوعة "فلسفة الفلسفة والتأثيل: "دولوز" نموذجا" بنقده لترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي لكتاب "ما هي الفلسفة"؟! لفيلسوفي الاختلاف الفرنسيين(جيل دو لوز) و(فليكس غتاري).

يبقى في ختام مقالنا شيء مهمّ ينبغي علينا الاعتراف به وهو أنه بغياب هذه القامات الفكرية العربية الفردانية بكل نواقصها الإنسانية، وتغييب حضورها فكرا ووجودا بالموت،بعد أن ُغُيّبت، وعُزلت، وهُمشت بعبث السياسة العربية والساسة طويلا في الحياة، يُعد، ولا شكّ في ذلك، خسارة كبرى لايمكن تعويضها في حقبة الضياع الوجودي والمعرفي التي يعيشها الإنسان العربي اليوم .

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات