وصاية ../ سيادة .. !؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

كلمتان فخيمتان تلوكهما الأفواه وتترددان هذه الأيام في السجالات اليومية وفي لقاءات المتحدثين على الفضائيات.. وإن كان في ظني أنهما من موروث الكلام «ما قبل العولمة»!!

لقد تعودنا طيلة سنواتنا الخمس العجاف التي مرت بنا منذ 2011 إلى اليوم على ترديد كثير من المصطلحات دونما ضبط أو دراية حيث دارت وتدور المناكفات الكثيرة على صفحات التواصل الاجتماعي والفضائيات وفي كل اللقاءات التي تجمع بين المؤيد والمعارض لأي مسألة في الشأن السياسي يتم النقاش حولها.. وتجلى في المدة الأخيرة ذكر لفظ «الوصاية/ والسيادة» حين بدأ الحديث عن حكومة الوفاق الوطني الليبي، حيث يتم استخدم مصطلح الوصاية/ والسيادة/ من المعارضين من باب الذم والهجاء لتلك الحكومة ورفضها تحت شعار الحفاظ على السيادة الوطنية، رغم أن الجميع يعرف أن كل طرف من المتصارعين على السلطة مستقوٍ بقوة ما إقليمية أو دولية!!

وقبل تناول مصطلح الوصاية؛ أشير إلى أن هناك من استخدم لفظ «الوصايا» ربما كخطأ إملائي وربما لاختلاط التسميات ودلالاتها وربما سهوا.

وكنت أتمنى على السادة الذين يستخدمون هذا المصطلح تحديد المسألة بشكل دقيق قبل أن ينساقوا وراء اللفظ حيث نتبين الفرق بين... وصاية ووصايا!! أو الجمع بينهما؛ فالوصايا على علمي- من توصية وتوصيات وتعاليم- ومنها وصايا لقمان لابنه ومنها الوصايا العشر للنبي موسى… التي تقول عنها موسوعة ويكيبيديا أنها أرفع الآثار الموسوية وأبرزها في التراث اليهودي المسيحي، والتي تلقاها موسى عليه السلام.. فاليهود والمسيحيون يرجعون إليها لكي يتعلموا منها كيفية التصرف في الحياة الأخلاقية.. ومن تلك الوصايا....
لا تسجد ولا تعبد إلا الله؛ ومنها: لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد شهادة زور…. إلخ.

(ما علينا) لنتجاوز عن ذلك ونمضِ إلى تمحيص ما أظنه المقصود (بالوصاية) وهي المعنية من الذين يعارضون حكومة الوفاق الوطني..

القيود على السيادة ليست وليدة ولكن المتغيرات أوجدت فارقاً كبيراً في الدرجة وليس في طبيعة الأمور

فالوصاية «لغة» هي الولاية على القاصر أي نظام قانونيّ لحماية القُصَّر، وهم مَنْ لم يبلغوا سِنّ الرُّشْد بعد.. أما سياسياً، وهو بيت القصيد، فيقال بلد تحت الوِصاية، أي بلد ليست له سيادة كاملة، وتتصرَّف في شؤونه دَوْلة أخرى.

لنقر بداية أنه كان هناك تاريخيا ما يسمى بالوصاية الدوليّة وهو نظام من المراقبة على المستعمرات التي لم تبلغ مستوى الحكم الذّاتي، وقد كانت تديرها الأمم المتحدة، وحلّ هذا النظام مكان (الانتداب) في عصبة الأمم المتّحدة، أما في زماننا الآن فقد تم حل هذا النظام ولم يعد له وجود قانوني بعد استقلال كافة الدول وانضمامها كأعضاء في الأمم المتحدة.. ولذلك فإن نظام الوصاية كنظام في القانون الدولي بات غير معمول به منذ أكثر من نصف قرن ولا يمكن إعادة العمل به إلا بتعديل ميثاق الأمم المتحدة، هذا الميثاق الذي يقترب من الاستحالة تعديله.

في ميثاق الأمم المتحدة في سنة 1945 كانت المادة (75) قد قررت إنشاء نظام الوصاية لإدارة بعض الأقاليم في العالم وحلت محل نظام الانتداب الذي كان مقرراً بموجب ميثاق عصبة الأمم لسنة 1919، الذي كان يطبق على ولايات الدولة العثمانية والمستعمرات الألمانية بعد خسارة الدولتين للحرب العالمية الأولى.

وكان المأمول من نظام الوصاية هو العمل على تأهيل سكان إقليم ما سياسيا واجتماعيا واقتصاديا للتقدم نحو الاستقلال، وقد تم وضع دول عديدة وأقاليم كثيرة في العالم تحت نظام الوصاية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من هذه الدول العراق، والصومال، وليبيا وجيبوتي ومناطق أخرى، وتولت دول الوصاية المستعمرة على هذه الأقاليم والأراضي كبريطانيا وفرنسا وبلجيكا وأستراليا وأميركا وانتهى ذلك الوضع من الناحية القانونية بصدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1960 بنهاية نظام الوصاية.

إذاً من الناحية القانونية يبقى الكلام عن الوصاية لا أساس ولا مصدر قانونيا يؤيده وما هو إلا مجرد «مزايدات ومناكفات» وللاستهلاك اليومي يقدم لرجل الشارع خلال الصراع السياسي الدائر.

ولكن ما هو حاصل وحقيقي.. هو أن ذلك لا يعني بالتأكيد أن أشكالا من سطوة القوى الكبرى على الدول النامية غير موجودة اليوم؛ فواقع الحال يشير إلى أن معظم الدول الكبرى تمارس شيئا من (الوصاية على القصر) من دول العالم الثالث والرابع.. إلخ. ولكن بوسائل غير مباشرة معلنة- اقتصاديا وسياسيا واستخباراتيا-.. وهنا أظن أن الأمر يستدعي الحديث والتعريج على مسألة أخرى ترتبط بالوصاية وهي «السيادة».
حيث السيادة تعني أن سلطة أي دولة يجب ألا تعلو عليها أي سلطة خارجية أو تتدخل في شؤونها الداخلية.

ولكن في عالم اليوم ومتغيرات العولمة صار مصطلح السيادة أيضا (مسألة نسبية) ولم يعد ذا جدوى إطلاق التعبيرات المطلقة نظرا لوجود قيود فعلية تحول دون إطلاقية المصطلح لوجود قيود يصعب الفكاك منها أو تجاوزها.

فالسيادة في عالم اليوم ترتبط بوضع الدولة في الواقع الدولي، أي مدى قوتها اﻻقتصادية والعسكرية وغيرها.. حيث تتفاوت القوة بين الدول وذلك هو ما يحدد حدود السيادة إلى الحد الذي يجعل من المضحك أن نتحدث عن سيادة مطلقة لدولة صغيرة وضعيفة (مثل مملكة تونجا) في مواجهة دولة عظمى «كأميركا» ومع ذلك فإن هذا التفاوت في القوة ليس هو المصدر الوحيد للقيود على سيادة الدولة وإنما هناك عوامل أخرى يمكن الإشارة إليها. فالعولمة اﻻقتصادية والثورة التكنولوجية المتسارعة في وسائل الاتصال وترتيبات القانون الدولي، لها دور في مسألة السيادة فمثلا بإمكان مجلس الأمن إنزال العقوبات حسب الفصل السابع من الميثاق التي قد تصل إلى استخدام القوة ضدها إذا أتت بما يخل بالسلم والأمن الدوليين (حتى ولو كان الإخلال مزعوما).

ولذا فإن السيادة مسألة نسبية وفي الأغلب تصبح المقولة الشعبية «يا دار ما دخلك شر» هي التي تسود وتجعل الدولة الضعيفة تكيف سلوكها من البداية مع رغبات ومصالح الدول الأقوى التي بإمكانها، خاصة بعد ثورة اﻻتصاﻻت والمعلوماتية، أن تحدث اختراقاً لمعايير اﻻستقلالية والسيادة باختراق الدولة التي تملك ناصية هذه الوسائل للحدود المادية لأية دولة والوصول إلى أي معلومات من خلال الجوسسة بالأقمار الصناعية وغيرها من الوسائل، والوصول أيضا إلى عقول أبناء شعوبها من خلال (الميديا وباقي مكونات القوى الناعمة).

الخلاصة أن القيود على السيادة ليست وليدة ولكن المتغيرات أوجدت فارقاً كبيراً في الدرجة وليس في طبيعة الأمور، بمعنى أن وطأة هذه القيود تبدو وكأنها قد تفاقمت على نحو لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه.

التطور الديمقراطي الداخلي في الدول سوف يزيد من قدرة أي مجتمع متماسك في وجه محاولات الهيمنة الخارجية

ولم يعد أمام الدولة «الغلبانة» سوى بديل واحد للحركة إما أن تتبناه طوعاً أو كرها وإما أن تخاطر بمواجهة مع الدول الكبرى أو أن تتحسب لها بأقصى درجة من العقلانية والحسابات الرشيدة.

بعد أحداث سبتمبر 2001 لم تعد الدوائر الأميركية الرسمية معنية بتقديم الأدلة القانونية الكافية حتى من وجهة نظرها التي تبرر ما تنزله من عقوبات بهذه الدولة أو تلك، أو تهدد به من ضربات استباقية مستندة إلى معايير ذاتية وليس إلى أي توافق دولي.! وأصبح مصطلح السيادة الوطنية يواجه وضعا ملتبسا حتى أن البعض من المحللين والمعلقين يتحدث عن زوال أو اختفاء ظاهرة السيادة الوطنية وأن الحديث عن الوصاية صار مسألة ضبابية إلا إذا ذهبنا إلى عدم اليأس وقلنا أن ظاهرة السيادة الوطنية لم تنته تماماً، حيث مازالت هناك بعض الدول قادرة على التماسك أمام الكبار كالصين وبعض الدول الأوروبية من خلال التعامل بحسابات تجعل القيود على سيادتها في حدها الأدنى.

وفى ذات السياق هناك من يقول إن تعزيز التطور الديمقراطي الداخلي في الدول سوف يزيد من قدرة أي مجتمع متماسك في وجه محاولات الهيمنة الخارجية، ويقضي على بعض ذرائع التدخل بحجة انعدام الديمقراطية أو عدم احترام حقوق الإنسان.
… لنفكر بعقلانية لتحقيق مصالحنا..
.. وكفانا شعارات.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات