التفسير الخاطيء

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

تقوم جُلّ التفسيرات الدينية المؤسسة لمفهوم "الحاكمية" على تنازع مجال السيادة بين تصوّر "إله رسمي" بتعبير المفكّر الإسلامي العلاّمة (أبو الحسن الندوي)، وبين مفهوم السلطة في خصائص التصور الإسلامي ومقوّماته حسب تأويل "الطاغوت" البشري الذي روج له (سيّد قطب)، بالمفهوم الذي حدّده في" معالم طريقه" لتفسير الدين بصيغة الدائرة التفسيرية المقفلة التي لا تكون دائما بنفس السماكة عند الوصول إلى نقطة انغلاقها، والتي تبتديء عادة بـ"ما لله لقيصر" وتنتهي بـ"ما لقيصر لله" دون زحزحة القيصرية عن موقعها.

"التفسير السياسي" أو التسيسي للدين لمقترحه المفكّر الإسلامي (أبو الأعلى المودودي) محاولة لإزاحة التمييز، أو بالأحرى، الانشطار الذي أسست له المسيحية في مقولة "مالله وما لقيصر"، من خلال إعادة بناء مفهوم "الدين" ذاته. ففي تفسيره، بل تأويله، المتعسف يقرّر أن كلمة الدين لم ترد بمعنى النحلة والعقيدة، بل جملة أحكام الشريعة، التي تطال بنى الدولة من أساسها، وهو ما يختلف معه فيه مواطنه المفكر الإسلامي (وحيد الدين خان) ونقطة الخلاف لاتقتصر على مسألة تأكيد التفسير المودودي على السياسة فحسب، بل كون الخطاب في عمومه يخلق ذهنا خاصا يرى كل شيء بمنظور السياسة.

ففي رؤية المودودي تكمن الحقيقة المؤسسة لرسالة نبي الإسلام، كونها جاءت بنظام دولة إلهي، مقاربا معنى الدين بالمفهوم العصري لمعنى (الحكومة) "State" التي ليس أمام الناس إلا الاستسلام لها، فالدين الحق هو أن يستسلم المرء أمام قوة الله القاهرة، وأن يعبده ويطيعه، مُعرضا عن طاعة الآخرين" الحكّام الطواغيت" في التأويل القطبي.

رّدا على هذه الدعوى، كتب (وحيد الدين خان) "التفسير الخاطئ" الذي اختصر أفكاره الأساسية معمما الإسلام في كتاب (الندوي) الموسوم بـ"التفسير السياسي للإسلام" بـ"التفسير السياسي للدين" في هذه الكتب الثلاثة تمحور النقاش على لفظة "الحاكمية" التي تسللت بدلالاتها الاجتماعية والسياسية إلى الفكر الإسلامي المعاصر كما تتسلل اليوم لفظة "المظلومية" صدع "الاستضعاف" الذي شق تاريخيا الضمير الشيعي عابرا فضاءه إلى الفضاء السني في مظلومياته الراهنة.

إعاقة المبادرة التي أطلقها الإسلام مع انطلاق دعوته لفصل العقيدة عن المؤسسات السياسية وهي الحركة الفكرية التي أوصلها الغرب إلى نقطة الكمال

المودودي يترجم الـ" حاكمية" كما يشير الندوي، بـ"Sovereign" الكلمة التي ترفق في "قاموس المعاني" الإنجليزي عادة بلفظة السيادة "authority" أي السلطة ذات السيادة، أو السلطة العليا،التي يعتبرها الندوي، ملاك الأمر في باب الألوهية حسب التفسير السياسي؛ بل التسييسي، للإسلام الذي تجليه مرآة كتابات المودودي وتبعاتها المقلقة، عبر كتابات سيّد قطب، في خطاب التشدد الإسلامي السائد في عالمنا اليوم، والمؤسسة في عمومها لمفهوم "إله رسمي" يتنازع المجال الحاكمي لـ"الطاغوت" البشري، لا حاجة أن يتقرّب الإنسان إليه بالدعاء، بل يكفيه مجرّد الولاء "Loyalty" أي الطاعة الكاملة والإخلاص فيها.

ولكن الحاكمية الإلهية في هذا الخطاب لم تكن إلا ستارا يشفّ عن الظهور الفعلي لحجم فضاء السلطة المتضايف بين المؤسستين الدينية والسياسية اللتين تفرزان معاً نظاماً استبداديا هو "الدولة الدينية" أو "الثيوقراطية" والمودودي لايوارب في مطابقته بين الحاكمية والثيوقراطية في مطالبته بدستور إسلامي أن تكون الحاكمية لله وحده إلى حد يتفق والنظرية الثيوقراطية.

مفهوم "الله" في العقيدة السلفية التي تستلهم كتابات ابن تيمية، يعني فيما يرى (عادل طاهري) الخالق المستحق العبادة وحده دون غيره، فأنصار السلفية يطلقون على هذا القسم من التوحيد "توحيد الألوهية"، تمييزاً له عن "توحيد الربوبية" و"توحيد الأسماء والصفات"، لكنّ أبا الأعلى المودودي قام بعملية تأويلية جديدة تفرغ المفهوم من دلالته الأصلية لكي تتوافق مع صيغة" الحاكمية"؛ فـ"أصل الألوهية وجوهرها عنده هو السلطة سواء أكان يعتقدها الناس من حيث أن حكمها على هذا العالم حكم مهيمن على قوانين الطبيعة أو من حيث أنّ الإنسان في حياته الدنيا مطيع لأمرها وتابع لإرشادها".

هذه المصادرات ألزمت القيادات الفكرية للحركات الإسلامية وتابعيهم من أمراء الجهاديات المفتعلة في أفغانستان بكل توجهاتهم السياسية المصطنعة لمعارضة العالم أو بالحري "الآخر"، وجهادياتهم الموهومة لمحاربته، بجملة من المطالب ومن الإلحاحات أبرزها فيما يبيّنه (وحيد الدين خان) في كتابه" من نحن؟" معبرا بضميرهم: تبني مفهوم "حاكمية الأمة الإسلامية"، بأن يكون المسلمون "حكّام الأمم" بل يتجاوز الأمر ذلك أن يكونوا خلفاء الله المصطفين في الأرض، أساتذة الدنيا وقادتها المنتدبين من قبل الله للخلافة عليها، بل تبؤ منصب حاكمية الكون ومافيه.

المصادرة الثانية تتمثل في "قومنة" الإسلام باستبدال مفاهيم الدين الإلهي الذي يخلق النفسية المعبأة بالشعور بالمسئولية الأخلاقية نحو البشرية، بدين "قومي" أو نحلة مذهبية، فالحركات الإسلامية، حسب خان في كتابه "الانبعاث الإسلامي" لم تعد مجرّد حركات إسلامية خالصة، بل صارت مع الوقت حركات قومية، دافعة بالدين إلى أن يكون عامل إثارة، وجالب ضجة ومحدث صدع في العالم- كما هواليوم- عبر نزعات التشدد، بل التطرف محوّلة وجّهة الاعتقاد الإسلامي عبر التفسير السياسي من دين إلهي إلى نحلة مذهبية بل دين "قومي" يخلق كأي حركة قومية في نفسية معتنقيه دواعي الفخر ونزعةالغرور فيما يمكن التعبير عنه بـ"الشوفينية".

المصادرة الثالثة، وهي ماتمكن تسميتها حسب كتاب" القضية الكبرى" لـ(وحيد الدين خان): بـ"مفارقة العلمنة".

أي إعاقة المبادرة التي أطلقها الإسلام مع انطلاق دعوته لفصل العقيدة عن المؤسسات السياسية، وهي الحركة الفكرية التي أوصلها الغرب إلى نقطة الكمال، بما مكّن المعتقدات المغايرة ومنها الدعوة الإسلامية من السير قدما دون مواجهة العراقيل التي كانت تعترض طريقها سابقا بفعل ما سمّى في موروث المحاججة القرآني بالسلطات الدينية" المُشركة". التي تبوِّءُ اليوم ثمار ديمقراطياتها وليبرلياتها في ذروة الخوف الديني العالمي "الإسلاموفوبيا"، مُسلما منصب عمادة مدينة لندن أكبر الكوزموبولوتيات الحضارية في الغرب المسيحي بل في العالم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات