«الـحـاكـمـيـة»

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

أورد موقع بوابة الوسط في تصريح منقول عن المكتب الإعلامي بدار الإفتاء بطرابلس بتاريخ 17 أبريل 2016 الملاحظات التي أبديت للمندوب الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر من طرف: نائب المفتى، وعضوي مجلس البحوث، أحدهما قيادي بالجماعة الليبية المقاتلة! وأبرزها "حاكمية" الشريعة الإسلامية على كل بنود الاتفاق السياسي، بما في ذلك تقييد ما جاء في المسودة من التحاكم إلى القانون الدولي الإنساني.

المثير في هذه الملاحظة إبراز مصطلح الحاكمية وإلصاقه بالشريعة الإسلامية والتحاكم إليها بديلا عن القانون الدولي في الاتفاق السياسي الموّقع بين الأطراف السياسية الليبية المتنازعة في الصخيرات، والذي تّم تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، وبمساعدة القوى الدولية الداعمة التي بالضرورة لاتتعامل إلا ببنود القانون الدولي في الاتفاقات السياسية.

في الفكر الإسلامي الراديكالي، الذي أطرّ فيما بعد الجماعات الجهادية الإسلامية، ومن بينها" الجماعة الليبية المقاتلة" لم يتمّ التنظير للحاكمية الإلهية بعيداً عن صخب السياسة بالذات في خطاب" سيّد قطب" حيث وظّف المفهوم في سياق التنافس، والتجاذب حول الشرعية السياسية في بعدها الاجتماعي فنسخ بكتابه "معالم في الطريق" الذي طرح فيه مفهومه الجذري عن" الحاكمية": مفاهيم العدالة الاجتماعية في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" ورؤاه في التحرر من قبضة الاستعمار والإمبريالية في كتابيه" معركة الإسلام والرأسمالية" و"الإسلام والسلام العالمي".

إذا تجاوزنا هذا المنعطف" القطبي" والخلفيات الاجتماعية التي أطّرته وعلاقة كل ذلك بانقلاب 23 يوليو 1952 الذي أطلق عليه سيد قطب في أوج حماسه المبكر للتغيير قبل أن ينقلب عليه لفظ "ثورة تطهير"، فإن مصطلح الحاكمية لايخرج عن الإطار السياسي الذي وضعه فيه ناحته الأوّل المفكر الإسلامي الهندي" أبوالأعلى المودودي" الذي أسس فيما بعد في الباكستان" حزب الرابطة الإسلامية" فـ " سيد قطب" كان يبحث عبر خطابه الجذري الجديد عن مشروعية؛ أو بالأحرى عن شعار آخر مفصلي بين الأنا "الإخوان المسلمين" والآخر "ثوار 23 يوليو المصرية"، بعد أن حققوا للشعب المصري العديد من المطالب التي بثّها" قطب" في العدالة الاجتماعية في الإسلام، منتحلين لذلك أهدافاً اشتراكية، ووسائل كالتأميم وتقليص الملكيات الإقطاعية، والتي أخدها تعلّة لتبرير خلافه إسلاميا معهم والذي انتهى به إلى حبل المشنقة. ولكي يتضح الانشطار كان على" قطب" كمنظّر للإخوان أن يقيم مشروعه السياسي على أساس آخر ناقلا الصراع عبر مفهوم الحاكمية من أرضيته الاجتماعية إلى أرضية سياسية مضلّلة.

ورغم إقرار سيد قطب وهو يتكلّم عمن يتولّى الحاكمية في مملكة الله الأرضية في كتابه" معالم في الطريق" بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مردّ الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبيّنة"، إلا أنّه ببلاغياته الفضفاضة لم يسمِ بوضوح هذه الشريعة المبيّنة،هل هي الأطر الاجتماعية والاقتصادية التي تترسّمها الشريعة، والتي تلتف عليها شبكة المفتي المهيمنة في دار إفتاء طرابلس التي خلطت فقه المالكية بتطرّفات الحنابلة والوهابية، والتي تمثل غطاء لشركائهم من فئة الأثرياء الماليين ومصالحهم التي يرغبون دعمها في دستور مابعد ثورة فبراير 2011 الذي تكون فيه شريعتهم مصدرا وحيدا مهيمنا، كذلك لم يصرّح سيد قطب بأنه يقصد بالشريعة القانون الذي يحكم العلاقة بين الأفراد وبينهم وبين المؤسسات وبين الدول فيما يتعلّق بالقضايا التي تهمّ الجماعات الإسلامية الجهادية الدولية التي لم تكن موجودة في زمن" قطب" وأهمها مسألة" الإرهاب" ووضع تعريف محدد له حسب ما ورد في الملاحظات التي نوقشت في الاجتماع مع المندوب الأممي" مارتن كوبلر" والتي قد تكون وردت في الأغلب من عضو مجلس البحوث، القيادي في الجماعة الليبية المقاتلة.

عدم مصداقية التفسير السياسى للدين, بنقد مفهوم الحاكمية وفق التصو" المودودى",هو النشاط الفكري الذي ميّز الخطب الجُمعية التي كان يلقيها في طرابلس بين أعوام 89 ــ 1991 الداعية والكاتب الإسلامي الليبي" محمد سليمان القايد" والتي كانت مدار نقاشنا إبّان صدور كتاب( التفسير الخاطئ) الذي كرّسه المفكّر الإسلامي الهندي الشهير" وحيد الدين خان" لنقد أطروحة المودودي في" الحاكمية" التي اعتبرها( محمد القايد) في كتابه" منهج الهداية" الذي صدر بعد موته" تفسيرا سياسيا لايتطابق مع القرآن وأن أساسه فكرى لايقوم على الدليل القاطع أو الحجة الشرعية ".

كلام" محمد القايد"محاججة ليبية مبكّرة للتيار الإسلامي المتشدد المقموع في زمن الدكتاتورية، والذي تؤطره اليوم جماعات أصولية مسيّسة ومؤسسات دينية اصطعنت بعد الثورة، وقبل كتابة دستور للبلاد كمؤسسة الإفتاء، أو أعيد إنتاجها كمؤسسة الأوقاف لستر وتجيير المصالح، والمنافع التي اكتسبتها سياسيا الجماعات الأصولية الإسلاموية التي ركبت قطار مبادئ ثورة 17 فبراير 2011.

محاججات محمد القايد المبكرة هي صدى لتوصيف أستاذه" وحيد الدين خان" في كتابه:" البعث الإسلامي" للحركات الإسلامية المسيّسة التي اصطلح عليها باسم" الإسلاموية"والتي في رأيه" نشأت ونمت على سطح الدين الاجتماعي الموجود وليس على سطح الدين الكتابي الحقيقي"، حيث يصبح الإسلام مطيتها وسند وصولها إلى القيادة والسيادة، لتصيير الشريعة الإسلامية حسب تعبيره " محلا تجاريا" لجلب المنافع، وسوقا من الأسواق يمكن بها استدرار الأموال والحصول على ما لايمكن إحرازه من الأسواق الدنيوية العامة.

كتاب" منهج الهداية"الذي أطلعني محمد سليمان القايد على طبعته التجريبية أثناء مروري عليه في بيته في" محلة قرجي" في طرابلس قُبيل القبض عليه بأيام بداية التسعينيات من طرف الأجهزة الأمنية للنظام الدكتاتوري المنهار يصفه المفكر الأسلامي( وحيدالدين خان) في صفحته على( الفيس بوك) بأنه محاولة لإنقاد سفينة الدعوة إلى الإسلام من الغرق بعد أن حملتها تيارات الفتنة السياسية بعيدا عن هدفها الصحيح..."

المطالبة باعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا أساسا للتشريع واعتماد ذلك في الدستور، بل العمل بها حكما في تطبيق مباديء القانون الخاص، بل حاكمية بديلة عن حاكمية القانون الدولي العام، يقحم الشريعة الإسلامية لاعبا مؤججا لمناخ الفتنة السياسية، بل الاحتراب، والانقسام المجتمعي- المعتقدي الذي يعصف بليبيا منذ 4 سنوات مدّمرة في كتابه" واقعنا ومستقبلنا" يكتب( وحيد الدين خان) مشخصا المسألة التي تعيشها ليبيااليوم وعاشتها بلدان ومجتمعات إسلامية أخرى، أبرزها الهند التي ينتمي إليها، والتي انقسمت عنها دولة الباكستان، التي تنقسم عنها فيما بعد دولة بنغلادش بقوله : " إذا شعر بعض الناس بالمشاعر الإسلامية داخل مجتمع مسلم متفكك فإن أول مراحل المسئولية الملقاة على عاتقهم لاتكون المطالبة بتحكيم الشريعة فهذا النوع من العمل يعني تماما الانحراف عن الطريق التدريجي للإسلام" الأسلوب أو الطريق التدريجي يراه في البدء في النشر السلمي للتعاليم الأساسية والأحكام الأولية، والعمل على إصلاح المجتمع الإسلامي، وبذر قبول أحكام الإسلام وقوانينه الاجتماعية، في ضمير أفراده قبل تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية.

في الموقع الألكتروني لصحيفة( الشراع) يقدّم الكاتب الروائي الليبي الشهير( أحمد إبراهيم الفقيه) صورة عن الفقيد المغدور به( محمد سليمان القايد)، الذي عمل معه محررا صحفيا عندما ترأس الفقيه تحرير صحيفة( الأسبوع الثقافي) الليبية في منتصف سبعينيات القرن الـ 20 فيصفه بـ" الكاتب والمفكر والإنسان الجميل الخلوق الهادي الورع الذي كان واحداً من ضحايا مذبحة سجن" أبو سليم" التي ذهب ضحيتها أكثر من ألف ومائتي مسجون سياسي عام 1996، وكما كنت أعرفه لم يكن إسلامياً أصولياً، ولم يكن متطرفاً، وكان بطبعه وسلوكه وفكره أبعد إنسان عن العنف، بل كان مناوئاً للإسلاميين الذين يمارسون العنف ويؤمنون بالتطرف، فلم يكن منتسباً لتلك الجماعات التي دخلت في صراع مسلح مع النظام في فترة من الفترات".

الكاتبة الصحفية" سوزانا كولبل Susanne Koelbl "في مجلة" دير شبيغل" الألمانية التي التقيتها في طرابلس الأسبوع الأوّل من شهر رمضان في صيف عام 2014 الحار الذي التهب فيما بعد بحريق العنف، سألتني وهي تحدثني عن لقائها ببعض القياديين الليبين الذين كانوا جهاديين في أفغانستان، فصاروا احترابيين منذ ذلك الصيف في ليبيا عن المغزى في ميلهم إلى التشدد، وتميّزهم في المجموعات العربية المنخرطة في الجهاد الأفغاني! عددا وإسهاما. ألقيت مسؤولية ذلك دون أن أمعن في التفكير على السياسات القمعية العمياء التي انتهجها الدكتاتور ونظامه الفوضوي ضاربا نموذجا موافقا بـ( محمد صالح الفارسي) الطبيب الليبي الذي قضى في أفغانستان ، ولم أضرب المثل الحّي المعاكس للتطرّف( محمد سليمان القائد) أو" القايد"، كما ننطقه في ليبيا، الذي رغم سلميته قضى يرحمه الله في مذبحة سجن أبو سليم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات