تهوين المواطنة

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

يمكننا أن نقبل لاعتبارات مُتفهّمة في الوارد من التقارير العسكرية والأمنية، عدم إسباغ صفة الهوّية وتهوين نعت المواطنة ،لـ(المنغمسين) من الليبيين، المقبوض عليهم بطائلة الجرائم الإرهابية، والأعمال المسلّحة التي يخوضونها، تحت مظلّة تنظيم الدولة الإسلامية الموهومة (داعش).

بل ذكرهم ليس كمواطنين وأشخاص منسوبين إلى جنسيتهم الليبية، كغيرهم من الإرهابيين المنخرطين في هوّية" دولة الخلافة"من ذوي الجنسيات الأخرى، التي تنشط في الإرهاب الليبي كالتونسية والمصرية والصومالية والتشادية والنيجيرية إلخ. ولكن ما لا نتفهّمه هو مادرجت عليه أيضا التقارير القبْضّية والجنائية منذ فترة وحتى الأسبوع الماضي، فيما يورده بين الحين والآخر موقع بوابة الوسط من أخبارها بنفي صفة المواطنة الليبية على الجانحين أو المجرمين الجنائيين كالمتاجرين في اللقى الأثرية، ومزوّري العُملة، ومروّجي المخذرات، وباعة الخمور.

مايدعونا للاستغراب أن سنتين من الاحتراب الأهلي أملتهما عوامل الانقسام السياسي والانشطار المؤسسي نجحتا في التهوين، ربما لاشعوريا، من مواطنة الليبين، على الأقل في التقارير الإدارية والمهنية في السياق المعمّم لتذويب الهوية وملاشاة المواطنة في ضروب الفوضى الليبية.

العرب الفاتحون نقلوا اقتصاد الليبيين الذي ساد حياتهم عبر التاريخ من الندرة والكفاف إلى مايشبه التراكم الريعي العيني

تستند المشكّكات في الولاء للوطن أو الأمة في التجربة التاريخية الليبية على مجموعة عوامل مادية أنتجت عدةّ تطرّفات أو بالأحرى تطريفات: كالتطريف الذي تؤسس له الجغرافيا، حيث يترافق الاتساع الصحراوي في ليبيا مع قلة عدد السكان، وهو العامل الموّلد للإحساس بـ(الطرفنة) المكانية واستبطانها في الشعور.

فمن عادة الأفراد حسب رأي الفيلسوف الأمريكي (جوزيا رويس Josiah Royce) في كتابه (فلسفة الولاء The Philosophy of Loyalty)، أن لا يشعروا في البلد الموسوم بالاتساع المكاني أو الجغرافي بالوحدة الاجتماعية التي يشعرون بها في مجتمعاتهم الصغيرة. فالعقل المجتمعي يشعر، طبيعيا، في البلدة والناحية بأنه يحيا في بيته، حيث لايكون الفرد في هذا الاتساع، والتشتت البالغ لمجتمعه الإنساني جاهلا فقط بقواه السياسية، وإنما بكل القوى الاجتماعية الأخرى، وهو مايجعل المجتمع العام في نظره غريبا وتعسفيا. وإزاء هذه الغرابة يكون الولاء للأمة أو الوطن في تقابل تعارضي للولاء لمكان العيش والسكن وهو مايؤدي إلى التعارض بين الولائين الذي يقود غالبا إلى الصراع وربما إلى الانقسام الذي يتجلى غالبا في نشوب الحرب الأهلية.

لجأت ليبيا كغيرها من البلدان الموصومة بهشاشة الكيان، إلى (الفيدرالية) كمؤسس حديث لدولتها بعد تجربة تاريخية قاسية تمثلت في الاستعمارات والحروب صاحبها التكيّف السياسي المزمن مع الشعور بالطرفنة والانكفاء الأقاليمي المهيمن على مكوّنها البشري المشتت في اتساعها المكاني الصحراوي. التجربة التاريخية تشير إلى مايتمظهر سلبيا في هذا النوع من( الفيدرالية) التي تكون طريقا للتفكيك والتفتيت، وليس إلى تكوين دولة موحدة وقوية، وهو ماتحقّق بعد صدور القرار الأممي 1951 باستقلال (ليبيا) صندوق الرمال القاحل والمدمَّر الذي سيستلمه صانعو الدولة الحديثة ملكا ونخبا، ليؤسسوا فيه دولة يغطّون العجز الفادح في ميزانيتها ولسنوات بأموال الاتفاقيات العسكرية ويقوتون شعبها بمساعدات الأمم المتحدة وبرنامج المساعدة الغذائية الأميركية المعروف بـ(النقطة الرابعة).

الاكتشاف الفجائي والسريع للنفط ، وجّه الليبيين سريعا الى الاستهلاك في شكله الريعي غير المحسوب والمشّوه الذي أسّست له وسوّقته الاحتكارات الأجنبية، وخاصّة الأميريكية، التي دخلت السوق الليبية مهيمنة على قطاع النفط ، ومغرقة هذه السوق بالسلع المستوردة وهو ما أفسح الطريق للتوسع الاستهلاكي الذي وقف أمامه النظام الفيدرالي الذي اتخذه الليبيون شكلا لدولتهم عائقا، بيروقراطيا وليس مبدئيا ضد الاستهلاك، أمام تحويل ليبيا سوقا واحدة.. الأمر الذي وضع الشركات الأجنبية في صعوبات عديدة مع الحكومة الاتحادية التي وقفت عاجزة أمام حلّ مشاكل هذه الاحتكارات مع حكومات الولايات القوية والنافذة، وهو مادفع الملك إدريس استجابة للمتغيّرات الاجتماعية المستجّدة التي أحدثتها الطفرة النفطية وضغوط الدول الغربية الراعية إلى استبدال النظام الفيدرالي بنظام المحافظات الإداري شبه المركزي منهيا من الناحية الصورية ازدواجية الشكل الفيدرالي المعرقلة لعملية اندماج ليبيا في السوق الرأسمالية.

وبالرغم من أن الوحدة كانت قد قُرّرت في الدستور وألغيت حكومات الولايات وقسمت البلاد إلى محافظات، إلا أن الملك إدريس- كما يذكر السياسي الليبي بشير السنّي المنتصر في مذكراته- حرص على استمرار ما أرساه النظام الفدرالي من أسس في المعاملة المتساوية بين طرابلس وبرقة رغم الفارق في عدد السكان في توزيع السلطات كالتعيينات لأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس الوزراء والمجالس المنبثقة عنه وفي المخصصات المالية وحصر التعيينات في مناصب الأمن والدفاع والجيش في أياد موالية، السبب الذي فتح إلى جانب التذمر الشعبي من السياسات الملكية المحافظة، باب التذمّر الاجتماعي لعدم شعور الليبيين في الغرب والجنوب بحصول تغيير في نظام الحكم الفيدرالي، فرغم الصورة الإيجابية للتوّجه الوحدوي، إلا أنّه يصدق عليه كتحديث غير مدروس وصف السوسيولوجية (حنا آرنت) للتشويه التدميري للموروث الاجتماعي سلبيا كان أم إيجابيا، الذي يحدث من قبل رجال واجهوا أمرا جديدا فحاولوا جهدهم أن يتجاوزوه ويحلوه- في الوقت نفسه- داخل أمر قديم.

إلى جانب التطريف الذي تؤسس له الجغرافيا هناك التطريف المؤسس لأنماط الاقتصاد والمعاش الممثّل في (الريعية). فقد تميّزت ليبيا عبر التاريخ بنمط الإنتاج الرعوي، الذي قامت على هامشه المحدّد زراعة بعلية وصفت بالموسمية لاعتمادها على المنسوب المتذبذب لمياه الأمطار وهي ماكفَت مع الإنتاج الرعوي المحدود بالكاد حاجات الناس المعيشية الماسّة.

العرب الفاتحون نقلوا اقتصاد الليبيين الذي ساد حياتهم عبر التاريخ من الندرة والكفاف إلى مايشبه التراكم الريعي العيني غذَّته التجارة بعيدة المدى التي سميّت تاريخيا بتجارة القوافل عبر الصحراوية التي ربطت بين قارتي أوروبا وأفريقيا والتي ضعضع هيمنتها ومحوريتها اكتشاف الطريق البحري الذي ربط الأوروبيين مباشرة عبر أفريقيا بآسيا والذي عرف بطريق( رأس الرجاء الصالح).

العثمانيون القوّة المسلمة التي سيطرت على البحر الأبيض المتوّسط، وجعلت طرابلس الغرب المسمّى القديم لـ(ليبيا) الحالية إيالة تابعة لها. وهي التي ستستقّل بها لاحقا عائلات العساكر الانكشاريين عن الخلافة في أسطنبول هم الذين سيحدثون النقلة الثانية في نمط عيش الليبيين بإضافة نمط اقتصاد القرصنة البحرية إلى جانب ماتبقّى لهم من تجارة القوافل الصحراوية.. هذا الاقتصاد الجديد هو ما أعطى لطرابلس شكل المدينة-الدولة وأعطى لليبيين في الغرب الليبي لأوّل مرة نوعا من الهوّية السياسية المستقلّة.

صار من الصعوبة تبيّن معنى المواطنة بل كيف يمكن الكلام عن هوّية أو مواطنة؟

أما الشرق الليبي فستهيمن عليه الدعوة الإصلاحية الدينية التي عرفت باسم مؤسسها (محمد بن علي السنوسي)، والتي ستستقل به ليصبح رابطا تجاريا بين أفريقيا جنوب الصحراء، وبين أسواق غرب مصر حتى الإسكندرية، وهو النشاط الاقتصادي الذي سيدعم استقلال بدو القبائل في الشرق عن الهيمنة الاستعمارية الإيطالية الشاملة على ليبيا ويذكي جذوة مقاومتهم لها حتى بداية الثلاثينيات من القرن العشرين التي سيطر فيها الإيطاليون على الجبل الأخضر الذي ستتيح خصوبته النسبية لإيطاليا فرصة البدء باستحداث مستوطنات زراعية حديثة لفلاحيها الفقراء العاطلين في الجنوب الإيطالي مشابهة للمستوطنات التي استحدثتها لهم غربا في العزيزية جنوب طرابلس وترهونة وجزء من مصراتة في شرقها.

بينما يسود النظام المعاشي التقليدي الرعوي والزراعي الموسمي عيش ما أبقته حروب المقاومة والمجاعات والتهجير من ليبيين بالتقاسم مع التجنيد في حروب الجيش الإيطالي في الحبشة وبعد ذلك الحرب العالمية الثانية التي ستخسرها إيطاليا أمام الحلفاء الذين سينتدبون على ليبيا التي دمرتّها الحرب وأثخن الجفاف والقحط شعبها بالمجاعات والأوبئة.

إزاء هذه المعطيات التاريخية، صار من الصعوبة تبيّن معنى المواطنة، بل كيف يمكن الكلام عن هوّية أو مواطنة؟ في وطن استباحته فيما بعد أربعة عقود (1969 ــ 2011) من الدكتاتورية الفارقة المتمحورة على استبداد الزعيم الفرد وفساده، وتستبيحه بعد انتفاضة بدون جذور ومقدمات، وثورة بدون طليعة سياسية أو نخبة، أو بالأحرى بدون ثوار منذ أربعة سنوات كل ضروب الفوضى، في السياسة والمعاش والتدّين والمعتقد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات