يــدُ لـيبيـا المُـميتة!

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

في المجتمعات التي هيمن فيها نمط المعاش الرعوي على الزراعي وَصفت ثقافتُها البدوية غالبا المهن التي يقوم بها الرجل كالفلاحة والحرف اليدوية التي ارتبطت بها، بالمُهينة وتعاملت معها أخلاقيا بنظرة دونيّة، فارتباط الإنسان بأرض يفلحها بيديه، يخلق في نفسه- حسب هذه الثقافة نزوعات، بل غرائز اجتماعية كالخضوع والعبودية التي سلم منها الراعي، فالشاعر البدوي الليبي في القرن الـ 19(امحمد قنانة)، لظروف استثنائية، وحبا في الحرية، يهجر وطنه الذي حُبَه وارتباطه به، حسب قيمه الرعوية، ليس فرضا ولا سنّة، ويتركه للفلاح، مستعيضا عن طلب المُزارع للراحة استقرارا بالترحّل بلا مال في صحراء حريته الشاسعة، التي وصفها شاعر بدوي ليبي آخر هو(عبدالمطلب الجماعي) بالسماء التي يسبح فيها النجم حرا. رجلٌ لا يأسره زرع يضطره لحصاد منبوته السنوي، ولايحصره زيتون يعصره كل عام.

فاجأ النفط هذه المجتمعات البدوية في منتصف القرن الـ20 مُحوّلا إيها إلى بلدان أو أقطار يسودها نمط واحد هو اقتصاد الريع، وتهيمن عليها أُحادية التوجه في السلوك، التي مثّلت السمة السوسيولجية الطاغية للمجتمعات النفطية فيما أرجعه الباحث في اجتماعيات الثقافة السعودي(عبد الله الغذامي) في كتابه (القبائلية وهوّيات مابعد الحداثة)، إلى هيمنة اقتصاد الريع على معاشها حيث ينفرد نمط الاقتصاد الواحد بسيطرته على مناحي الحياة مما يجنح بالمجتمع إلى تعزيز تصنيف علاقات أبنائه مع المهنة التي يعتاشون منها بما أسماه (غونار ميردال) فيما أورده محمد جواد رضا في في كتابه "صراع الدولة والقبيلة" بـ"تقاليد اليد الميتة" (The Dead Hand of The Past) التي تحكم النظرة إلى التربية في هذه المجتمعات حيث يسود احتقار تقليدي للعمل المهني (اليدوي)، بالذات لدى الفئات التي ارتادت المدارس، والتي تنظر إلى التعليم الذي تحصلّت عليه فيها علامة إعفاء من تلويث الأيدي بالعمل المهني (اليدوي)، مستبطنة الثقافة البدوية التي تعلي من شأن الراعي والمحارب، وتستهين بالفلاح والصانع، في ثنائية مديح الحرية وهجاء العبودية، وهو مادفع الغذامي إلى تشبيه توجيه النفط لنظام البشر الحالي بتوجيه الإبل في الماضي لنظام سلوكهم، فيصير النفط وريثا للإبل موغلا بهذه المجتمعات تدريجيا في نظام معاشي، بل نسق ذهني ومسلكي واحد حيث يقابل النقص في تنويع مصادر المعاش فقر في تعدد مظاهر الثقافة، وبالعكس منه يوازي التعدد في أنماط الرزق والعمل إخصاب لأنساق المعرفة.

(خلدون حسن النقيب) ينظر في كتابه(آراء في التخلّف) في مدى انطباق التعريف التجميعي (synthetic) للمشكلة الاجتماعية على ظاهرة العزوف عن العمل اليدوي في المجتمعات البترولية ، فيما حوصله (نيل سملسر Neil J.Smelser) لسماتها المتمثلة في "التأكيدات الإمبريقيةــ الميدانية المتصلة بمجموعة معقّدة من العوامل الثقافية والإيديولوجية والسياسية، التي تقبلها فئات أو جماعات مهمّة من السكّان. بينما تبقى جوانب من المسلكيات أو أنواع من الممارسات خارجة عن إجماع أومعايير الجماعة".

في ليبيا مابعد الثورة الشعبية2011 التي نبحث اليوم في غياب دراسات اجتماعية مختصّة في تحولاتها وطفراتها المجتمعية هو ما يدفعنا إلى النظر بعين الاهتمام في مسلكيات الفئات العمرية القادرة على العمل من الرجال وتوجّهها الطوعي إلى مهنة السلاح بالصيغ التي أملتها دواعي الانقسام المجتمعي وهوس الاحتراب الذي هو في جزء منه ارتزاق مضاف، والمختلفة عن دواعي الانقسام المجتمعي الإجبارية التي سادت المجتمع الليبي لثلاثة عقود في الحقبة الدكتاتورية السابقة التي أسميتها في مقالي(التهميشّ.. و طبائع الاستبداد) المنشور بموقع (بوابة الوسط) 2015.01.03 بالعسكرة الفوضوية لليبيين، وهي السياسات المبرمجة التي هدف منها رأس النظام السابق الذي استبطن القيم البدوية المدّعمة لـ" تقاليد اليد الميتة" مظهرا تطرّفاته بدعوى التوّجه إلى الإنتاج التي تبدو نظريا معاكسة لتلك القيم والتقاليد بتعطيل أعداد كبيرة من العاملين في مجالات الإدارة والخدمات وسوقهم في حملات التعبئة التي طالت بالتحشيد أعدادا كبيرة من القادرين على العمل في آواخر السبعينيات وبدء الثمانينيات من القرن العشريني المنصرم وإقحامهم في النزاعات العربية وخوض الحروب المجنونة في تشاد، والمغامرات العسكرية في بقاع أخرى من أفريقيا و العالم.

مابعد الثورة الشعبيةعام 2011، تتجدّد في ليبيا ضروب التوجه لخدمة السلاح في المجتمع، ويمثّل انتشاره الكثيف، وتعميم فوضى تداوله بين الليبيين الظاهرة السوسيولوجية اللافتة حيث ابتعثت" خذمة السلاح" بدواعيها المستجدة بعد ثورة 17 فبراير تقاليد "اليّد الميتة" تلك التقاليد التي استبطنتها ودّعمتها حملات الشعب المسلحّ فيما تمكن تسميته بفوضويات "اليّد المموِّتة" التي استهدفت الدكتاتورية بها تعطيل وتهميش جزء فعّال من المجتمع بإدراجه في ترتيبات، ليس العوز المادي فقط، بل الإفقار المعنوي والأخلاقي الذي نعيش اليوم ضروبه في التناسل المريع لما سمّي بكتائب الثوار المسلّحة الموازية للجيش المنتهية مؤسسته والذي يتقاضى المنتسبون إليه بأعدادهم المهولة مرتّباتهم وهم رقود في بيوتهم، لتنضاف إليها المهايا المجزية للمنتسبين الجدد للميليشات المسلّحة التي قدّرت أعدادها نشرة (البوابة نيوز) في 18‏/11‏/2013 بـأكثر من 1700 مليشيا مسلحة بين مناطقية وإسلاموية والتي إزدادت أعداد المنضويين فيها أضعافا مضاعفة لتصل حسب التقديرات الأوروبية الأخيرة إلى 200 ألف عضو بسبب تأجج الاحتراب الأهلي منذ آواخر عام 2014 الذي فتّح شهيّة المحتربين إلى مزيد من الاقتتال، مرسيا عبر الشرعنة الثورية الجديدة لتداول السلاح واستعماله وسيلة مشروعة لتداول العنف للتقاليد المستجدة لما يمكن تسميته بتقاليد "اليّد المميتة" بل صيرورته العائق الذي يحول حتى اليوم دون تأسيس دولة القانون والنظام التي تطلّع المنتفضون الليبييون على النظام الدكتاتوري المنهار إلى تحقيقها. بل إن تسريب هذا السلاح عبر الحدود المستباحة طوال الأربع سنوات الماضية من قبل التنظيمات الإرهابية والعصابات المتجّرة بتهريبه إلى الدول المجاورة المعصوفة هي الأخرى بإرهابها المحلّي،أدخل ليبيا في مأزق الدولة الفاشلة الذي يتحول مع الأيام إلى نفق معتم يصعب على الليبيين الخروج منه حتى بعد زوال أسباب النزاع الأهلي واحترابه المجتمعي الذي مازالت تدور رحاه ولأسباب متعددة في بقاع عديدة في ليبيا حتى اليوم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات