عمي يوسف الكردي.. ساحر «الجراجوز»

عزة كامل المقهور |
عزة كامل المقهور

بلغة مفعمة بالإحساس كتبت الأديبة عزة كامل المقهور عن فنان من نوع خاص، وهو يوسف الكردي، الذي يمثل مسرحا كاملا بكل مشتملاته، وهو يحرك العرائس و«يقلد أصواتها وينفخ بروحه في كلماتها»، بحسب قولها، والسطور التالية كما كتبتها المقهور نصا عن بطل حكايتها.

ما عرفته إلا ضاحكا هاشا باشا.. يسير في أزقة المدينة القديمة وهو يستنطق حيطانها، وينسج منها حوارا من فن الظلال لأسر طرابلسية على (سفرة) الغداء أو في الدار أو السقيفة أو المربوعة أو على ركابة جامع.. حوار بين الزوج وزوجته، والصديق وصديقه، والحبيب وحبيبته.. ينسجها كلمات بصوته من خلال مسرح العرائس الليبي المعروف بالجراجوز.. وهو مسرح الظلال، صنعه عمي يوسف الكردي من صندوق خشبي، وقماش ورسومات وضوء، وعصي يمسك بها ويحركها على رسومات شخصياته، ويقلد أصواتها وينفخ بروحه في كلماتها.. يتحول الصندوق إلى مسرح، والظلال التي يصنعها ويحركها من خلف الصندوق إلى شخصيات طرابلسية حقيقية، والحوار إلى أصوات متناغمة ومختلفة، ويتحول عمي يوسف الكردي إلى ساحر عملاق على ركح المدينة البيضاء في أزمنة مختلفة... عمي يوسف من أصول أمازيغية، سجل لقب أسرته بالخطأ فهو يوسف الكوردي ويعني «البرغوثي».. موطن أهله جبل نفوسة.

كباقي مكونات خليط المدينة القديمة في طرابلس، انحدر إليها والده في العام 1920 وتزوج من أمه الأمازيغية من سكان طرابلس، وعاد إلى مدينة يفرن حيث أنجبا يوسف، لتعود الأسرة إلى زنقة الفنيدقة بالمدينة القديمة، وتكون رشة من السكر على خلطة سكانها. ولا يمكنك وأنت تراه يسير في أزقتها ويتحدث بلهجة أهلها أن تشك حتى في أن أصوله من خارجها.. هي طرابلس التي تجمع ولا تفرق، تذيب الأصول وتصنع فروعا مخضبة بألوانها التي يغلب عليها اللون الأبيض، تصنع طقوسا لساكنها من ذاك الخليط السحيق الذي جمعته طرابلس في حضنها الدافئ من الرومان والإسبان واليونان واليهود والأتراك والعرب والأمازيغ والكراغلة والمالطيين والإيطاليين... في طفولته يسرع يوسف الكردي الخطى على حجر الأزقة الذي تقعر بفعل التاريخ، إلى سوق الترك، حيث عمي «الوسطي» وعروضه من الجراجوز.

لعمي «الوسطي» دكان صغير في سوق الترك عند منعطف سوق الفرامل، يمتهن فيه النجارة صباحا ويحيله إلى مسرح من خلال نافذة صغيرة عند المغيب. يجلس عمي «الوسطي» داخل دكانه يضع عدته على النافذة، ويبدأ في نسج الحكايات من الظلال.. حكايات البيوت.. النساء... الرجال... كلها حوار لما يدور خلف حيطان المدينة البيضاء، لجمع من الصغار والكبار. يدفع الجالسون على الأرض خمسة مليمات بينما الجالسون على المصطبة قرشا.. يبتسمون.. ثم يقهقهون.. إنها مرآة حياتهم بأدوات رمزية وظلال لرجال بالسورية والسروال والفرملة، ونساء بالردي والتستمال والفراشية، في بيوتهم و «فيرانداتهم» ومرابيعهم وسقيفتهم. هكذا هي بداية علاقته بالمسرح الذي عشقه، لينضم بعدها إلى فرق مسرحية عدة في الستينات، منها فرقة الجامعة المسرحية، وفرقة المسرح الحر، والمسرح الوطني، ثم قرر أن يعود إلى البدايات.. لسوق الترك وعمي «الوسطي» والصندوق والرسومات والظل.. واستخدام فن الظلال والصوت والحوار.


كثيرا ما زارني عمي يوسف الكردي في مكتبي بالظهرة بصحبة الزميل القانوني سمير الشارف رحمه الله، والأديب المفوه نور الدين النمر وكان ثالثهما، لنتحدث عن الفنون والقصة والجراجوز الطرابلسي.. دعاني لحضور عروضه.

أخذت بناتي وذهبنا إلى قصر الملك في الظهرة.. كان المكان يعج بالصغار والكبار، أبدع عمي يوسف في عروضه وحواره وصوته وظلاله.. رسم على كل فم ابتسامة وهو المبتسم على الدوام.. يعشق عمي يوسف فنه.. ولا يأخذ في مقابل الابتسامة مقابلا.. ساحر الصندوق، الذي يجعل من الصمم حياة، ومن الجمود حركة، ومن الحياة المعتادة استثناء. عمي يوسف الكردي في مسرحه ساحر لأنه المؤلف وكاتب السيناريو والحوار، والمخرج والممثل وفني الإضاءة والديكور، هو المسرح بعمقه وقيمته وكل زواياه... باسم المئات من محبيك.. باسم بناتي وصغار طرابلس الكئيبة اليوم، طرابلس التي بين فكي المفترسين، القتلة، المدمرين حضارتها وخليط سكانها المميز.. برشات السكر التي تضعها على أطراف ألسنتنا لنضحك.. أقول لك.. شكرا على كل اللحظات الممتعة.. سيكون لصندوقك جولات وصولات وعروض في طرابلس في الحدائق والمباني العتيقة والمسارح.. ويعود الفن والظل والصوت وصندوق الجراجوز.. مع عمي يوسف الكردي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات