سماحة الإرهابي وفضيلة الداعشي

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

نراه يرغي ويزبد ويلقي باللعنات في كل اتجاه، يدعو للقتل والعنف ويتستر على الإرهاب، ثم يأتي من يقول لنا هذا سماحة فلان أو / فضيلة علان! أي سماحة أو فضيلة هذه!؟

… يالها من مفردات مخادعة تتردد علينا بشكل دائم وتلقي بظلالها حتى تكاد تصبح عفوية وطبيعية، بينما تغيب حقيقة أن الأفواه التي تلوك تلك المفردات إنما يتحدثون كذبا وتزويرا ووسيلتهم في ذلك التضليل والتدليس والغش والخداع.

لا أحد يهتم بالقدر الكافي لما تحمله تلك المفردات من مغالطة وافتراء، حيث لا وجود حقيقيًا لتلك المواصفات القيمة التي تشي بها تلك المفردات التي تسبق أسماء أهل الوصاية، وإن ما يروجه أصحاب «السماحة والفضيلة» المزيفون ودعواتهم للقتل والعنف وإهدار كرامة الإنسان ليست إلا دعوة شر ورذيلة، وبضاعة لا تقدم حلولاً تنموية تذكر ولم يعد تداولها يليق بواقع مأزوم يسوده التخلف على كل الأصعدة كما نعيشه اليوم.

ومن يصفونه بـ «سماحة» الشيخ في حقيقته ليس إلا داعشيا يمثلها بكل تطرفها قبحها ووحشيتها…!!

هل هناك قابلية «للدعشنة» تمت زراعتها في عقولنا ونفوسنا.. حتى صار هناك الكثير منا يقبل أن نقتل ونسفك دماء الآخر المختلف وتحت اسم الله مكبرين مهللين.. وندعي الكفر للآخرين.. وننام هانئين بأن الجنة مثوى لنا!!

هذا «السماحة المخادعة» ليس إلا امتدادا لفئة متعصبة، نشأت وترعرعت عبر تاريخنا المسكوت عنه واستمر وجودها اليوم نتيجة لحقيقة تقول بأن هناك خللا فينا..! أو هناك قابلية «للدعشنة» تمت زراعتها في عقولنا ونفوسنا.. حتى صار هناك الكثير منا يقبل أن نقتل ونسفك دماء الآخر المختلف وتحت اسم الله مكبرين مهللين.. وندعي الكفر للآخرين.. وننام هانئين بأن الجنة مثوى لنا!!

إن لفظ السماحة والفضيلة والذي يسبق أسماء (شيوخ الإرهاب) ليس إلا استخدام ألفاظ ومسميات تضفي شيئاً من التفخيم والتعظيم لأولئك حتى تنشأ غشاوة على العقول وحتى يتلقى القارئ أو السامع ما يقدمونه له بكل تقدير وقبول..

يزكون أنفسهم ويزكيهم قطيع الأتباع ويدعون أنهم المؤمنون العارفون..!!، يتعالون ويتكبرون على خلق الله. يحبون أن يشير إليهم المريدون هذا فضيلة الشيخ.. وذاك سماحة العلامة.... وهم مجرد رهط صنعتهم الكلام ونقل ذلك الموروث الفقهي المظلم المحدث للوقيعة والفتنة بين الناس وتفريقهم وتكفيرهم وتغييبهم وتجهيلهم. إن الألفاظ الرنانة التي تسبق أسماء تجار الدين تساهم بشكل كبير في صنع ذلك التأثير الخادع.

.. لنتأمل لفظ سماحة مثلا لنرى معناه ونقارن هل المعنى ينطبق على من يصفونهم بتلك الألفاظ، أم لا..

قواميس اللغة تقول إن السَّمَاحَة من (سمح) وتدل على سلَاسةٍ وَسُهولةٍ. والمسامَحة: المساهَلة، وسمح بكذا يسمح سُمُوحًا وسَماحة وأيضا تعني جاد وأعطى، أو وافق على ما أريد منه..

أما السَّمَاحَة في الاصطلاح فتطلق على معنيين: أولهما (بذل ما لا يجب تفضلًا). والثاني: (في معنى التَّسامح مع الغير، وفي المعاملات المختلفة) ويكون ذلك بتيسير الأمور، والملاينة فيها، التي تتجلى في التيسير وعدم القهر.

أليس الإنصاف والمنطق يفرضان أن يتوارد على الذهن سؤال فحواه: هل شيء مما ذكر أعلاه من مواصفات يتمثل في الكثير ممن يحملون هذه الألقاب التي تسبق أسمائهم!؟

نعم يفترض أن تقال صاحب الفضيلة لكل من يتحلى بما سبق من الصفات الجيدة، ولكن هل ما نراه سائدا اليوم يتوافق مع دعاة الاستعلاء والعنف والإرهاب أم هي ألقاب حصرية تسبق اسم الشيوخ والوعاظ بغرض التفخيم والتبجيل المزيف!

هل السماحة تعني نشر ثقافة الكراهية والعنف والقتل؟
هل السماحة تعني الدعوة للإرهاب ودعمه والتستر عليه؟
هل السماحة تعني تأليب أبناء الوطن بعضهم على بعض؟

أم الأمر ليس إلا حيلة لإسباغ هالة من التقديس على من يدعون أنه «سماحة الشيخ»؟ وإضفاء القداسة على ما يقوله لتمرير مخططهم ولتحقيق مآربهم!؟ ولا مفر من مواجهة ذلك التزييف إلا بشرح البديهيات في مواجهة التغييب وتزييف الوعي الذي يمارسه أولئك المزيفون من أهل الوصاية الدينية .

قرأت قولا متسامحا حقا للشيخ التونسي الطاهر بن عاشور ما معناه: (إن العفو أقرب للتقوى بل إن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة).

فهل هناك سماحة في قلب شيوخ الإرهاب عندنا ممن يدعون إلى الجهاد في طرابلس ومقاتلة أبناء وطنهم صباحا والعودة لبيوتهم مساء!!! وهل طرابلس دار كفر؟

هل من السماحة الدعوة لمحاربة مدينة كاملة أو قبيلة كاملة لوجود فرد أو أفراد خارجين عن القانون داخلها؟

يقولون: ( فضيلة الشيخ .....:!؟)

فضيلة هذه (اسم) والجمع فَضائلُ وتعني الدَّرجة الرفيعة في حسن الخلق. ويقولون فضيلة الشيءِ أي مزيَّته أو وظيفته التي قُصِدَت منه... وهنا وبلا شك أو تردد تبقى الحكمة وإعمال العقل أم الفضائل، وفضيلة العقل هي إحكام الفكر وحسن التدبر والتدبير.

نعم يفترض أن تقال صاحب الفضيلة لكل من يتحلى بما سبق من الصفات الجيدة، ولكن هل ما نراه سائدا اليوم يتوافق مع دعاة الاستعلاء والعنف والإرهاب أم هي ألقاب حصرية تسبق اسم الشيوخ والوعاظ بغرض التفخيم والتبجيل المزيف!

إن المواصفات التي أشرت إليها في معنى «سماحة وفضيلة» لا تنطبق قطعا على الكثيرين ممن يحملون ذلك اللقب، والواقع يشهد بذلك..

فهل من ينادي بالقتل والذبح يملك ذرة من الفضيلة!!
وهل الكذب أضحى فضيلة !؟
وهل التدليس فضيلة ؟
وهل من فضيلة أحكام العقل والحكمة أن يقول بعضهم بعدم دوران الأرض وزواج الجن بالإنسان؟

يقيني أنه إذا لم يكن هناك حسنات لما سمي بالربيع العربي إلا كشف ذلك الدجل والكذب لكان ذلك ميزة وجب الاحتفاء بها.. وأؤكد أن ليس هناك أي علاقة بين ما هو مكتوب أعلاه من معاني السماحة والفضيلة وبين غالبية من ظهروا علينا في الواقع ممن تسبق أسماءهم تلك المفردات.

بل تبين ما نراه واقعا عمليا وهو أن غالبية ممن نراهم ويسبق أسماءهم «سماحة / وفضيلة» مدلسون كاذبون..

إن ما يجب التفكير فيه والحديث عنه هو التأكيد على أن الفاشية واحدة سواء خرجت علينا بلباس العرق والقومية فيما مضى من زمن، أو ملتحفة بشعارات دينية كما هو حالنا اليوم عن طريق سماحة الداعشي وفضيلة الإرهابي.

يحدثوننا بأن الدنيا فانية ويركبون أرقى أنواع السيارات! يقولون لنا.. الدنيا حطام والآخرة أبقى وهم مليونيرات يسكنون أرقى البيوت! ينصحوننا بالزهد في الدنيا وهم يتكالبون على الكراسي والمناصب!
يدعون لثقافة الموت وهم يرفلون في نعيم الدنيا! يا لها من سماحة وفضيلة!!

يحلون القتل والإيذاء بدعوى الدفاع عن الدين وحماية العقيدة.. وفاتهم أنه لا إكراه في الدين وأن من حمل السلاح أو آذى الناس دفاعاً عن الدين فقد وضع قوله فوق قول الله «لا إكراه في الدين»... الذين يرفعون شعار السيف وجئناكم بالذبح ووهم دولة الخلافة اعتقادا أن ذلك أمر مقدس، بينما .. الحق أنه لا يمكن أن يقتل المؤمن مؤمنا إلا خطأ. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطا).

إن من يقرأ التاريخ بروية يكتشف بنفسه ما أنجزه موروث الفقه وأوهامه لنا عبر التاريخ من قهر وفساد وحروب ومذابح وطغيان بكل أشكاله.

إن ما يجب التفكير فيه والحديث عنه هو التأكيد على أن الفاشية واحدة سواء خرجت علينا بلباس العرق والقومية فيما مضى من زمن، أو ملتحفة بشعارات دينية كما هو حالنا اليوم عن طريق سماحة الداعشي وفضيلة الإرهابي.

إن الخروج من المأزق الحضاري الذي نعيشه، يدعونا إلى الكف عن تصديق أولئك المدلسون والاعتراف بأن تديننا ظاهري شكلي وحقيقتنا أننا في الدرك الأسفل من التطور الإنساني. لقد أثبت العقل البشري بتجاربه المريرة عبر التاريخ أن الدولة الدينية فاشلة على مدى التاريخ، وأنها أسست وتؤسس للطغيان المطلق الذي هو أسوأ أنواع الاستبداد وليس أمامنا إلا مواجهة ما يقوله أولي الـ«سماحة / فضيلة» المضللة.

في بلادنا اليوم… وطيلة السنوات الخمس العجاف، عانى الناس من استغلال الدين والمتاجرين به الذين يختزلونه في فتاوى يصدرها من تسبق أسماءهم (سماحة/فضيلة)... حسب الطلب.. وما خلقته تلك الفتاوى من صراع دموي تحت ذريعة محاربة الفئة الباغية!!.

وشعارات التكفير، التي توزع جزافا فتشعل بها الحرائق في كل مكان... وفي كل اتجاه... لتأليب الدهماء والأتباع على استباحة دماء وأموال وأعراض إخوانهم في الوطن والدين.

إن أدعياء الفضيلة والسماحة هم من أشاع تسفيه الدين نفسه والاعتداء على حرماته بفتاويهم المغرضة المتلونة كالحرباء.. لنشر الفتنة بين الناس.. حتى اختلط الحابل بالنابل لدى الناس... وبفعل فتاويهم تحول التدين إلى جنون والحكمة إلى هراء.

في بلادنا... تحول الغوغاء والمجرمون إلى جماعات مسلحة بدعم من «سماحة الإرهابي وفضيلة الداعشي» إلى سلطة يخشاها صاحب القرار وصاحب الرأي...

في بلادنا غابت الكرامة الإنسانية... في ظلام السفسطة والكذب.. والتكالب على السلطة والمال تحت عباءة دينية.

الشاهد.. ﻻ أظن أن هناك من يتمنى أن نستبدل دكتاتورية سياسية مشوهة بدكتاتورية دينية باطشة حتى لو جاءت من ( سماحته / أو فضيلته).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات